في حديثهن عن الحقوق ينسين دومًا فلسفة “الواجبات”، فيصبح الصراع من منطلق هجوم غير مبرر فقط لإثبات الذات!

بعض النساء يدخلن الحياة الزوجية وهن يحملن الخناجر وراء ظهورهن، نفس الخناجر التي حملتها أمهاتهن على أغلب الظن، ويدّعين أن تلك الأسلحة ستوفر لهن حياة هانئة لا تنتقص فيها حقوقهن ، وأولًا على ما أعتقد “الفلبينية”.

وعلى الطرف الآخر، نجد نفسية الشريك لا تكاد تختلف، هو مدجج بسلاح آخر يدعى “القهر والانتقاص من أجل القهر والانتقاص”، ويسارع بوضع بصماته الملوثة على كل ما تأتي به شريكته إمعانًا في الإذلال، وليس إرشادًا وتعليمًا كما هو يعتقد، لأن الجميع لم يتلق القدر الكافي – أصلًا – من أي إرشاد وأي تعليم، حسنًا، لنسهب في الرغي.

قديمًا، كانت الجارية (وهو ما يطلق على البنت الصغيرة) تتلقى حرفًا كثيرة في بيت أسرتها (كالطبخ والحياكة وتهيئة البيت ودار النوم وفن تزيينهما والتزّين الشخصي والعناية المحترفة التي تكاد تصل للطب البدائي في معرفتها لجسدها وما يحتاجه) تهيئها جميعها لأن تصبح راعية منزل في المستقبل، ذلك لأن رعاية المنزل قوامة في حد ذاتها وتترتب عليها مسئوليات كثيرة.

فلبنة مجتمع كامل تكمن في البيت الأول، وثغور الجدار هي معول الهدم الكلّي، ولست هنا أتحدث عن المرأة بهوية معينة، بل تشترك حضارات كثيرة في تمهيد تلك التنشئة للمرأة، ابتداءً من العربية في الخيمة أو بيت المشربية، فالأوروبية في مدارس البروتكول والإيتيكيت، وصولًا إلى اليابانية في مدارس الجيشا! الجميع يعي تمامًا أن أول قرميد سيبنى في بيت العائلة هو تلك المرأة التي ستحافظ عليه، وتقوم بواجباته كما ينبغي دون تبرم، لأن فلسفة الواجب حتمت عليها الانتماء والاندماج الذاتي وليس التَفضُل والإحسان.

تلك الفلسفة جعلتها هي وواجباتها فردًا واحدًا، وذاتية واحدة معرضة للاختبار القاسي، وكذلك معرضة للنفي، فإن لم تكن على تلك المقدرة فهي فاشلة في نظر نفسها وغير منتجة في نظر المجتمع، إن فلسفة الواجب هي تلك التي توحدكِ عزيزتي مع ذاتية نفسكِ، ليست تلك التي ستضعينها صنمًا، تكسرينه كلما استعرت لديك نزعة الاحتجاج!

بالأمس شاهدت فيلمًا عن “حنة أردنت”، مأخوذًا عن سيرة ذاتية كتبت عنها، بالرغم من أن الفيلم كله حول مقالات “أردنت” في النيوروك تايمز في الستينيات عن جدوى إعدام النازيين المقبوض عليهم، لاختلافها على الأخلاقيات التي شملت النازيين وكبار رجال الجاليات اليهودية في ذلك الوقت، فالجميع انسلخ من التفكير الأخلاقي لتنفيذ الأوامر، باختصار، لكن الفيلم لم يغفل أيضًا حياة “أردنت” الاجتماعية التي تظهر فيها وهي – ركزي هنا – تطهو الطعام لزوجها، تحضر له قهوته، تسكب له نبيذه، وحينما يهم بالخروج من المنزل وهي منهمكة في الكتابة على آلاتها الكاتبة تركض خلفه وتقول “أتخرج دون قُبلة؟”

“لا يجرؤ أحد على تعطيل المفكرين العظماء من أجل قُبلة”، “كيف للعظماء أن يكونوا عظماء إذن بدونها”! بغض النظر عن السرد الدرامي، فسيرتها الذاتية أفردت نقاطًا كثيرة عن حبها لزوجها بالرغم من نزعاته الكثيرة نحو الأخريات! والشاهد: أن العزيزة أردنت فهمت “حسنُ التَبَعلِ” الذي لم تعد الكثيرات من المسلمات يفهمنه!

في بدايات عملي بعد التخرج، كان لدينا أستاذ يقوم بتعليمنا البرمجة قام بخطبة إحدى زميلاتنا، وكانت أكبرنا سنًا وقتها، في ذلك الوقت جميعنا كنا نردد العبارة الخائبة “المساواة!” – ولسنا نفقه حقًا معناها – في أي مضمار بغينا المساواة ولماذا وعلى أي شروط وأي حقوق وأي واجبات – لم يكن التفصيل مهمًا بقدر نزعة الصراع من أجل الصراع – عملية إثبات ذاتية فاشلة! في إحدى المرات كنا وقوفًا في حلقة حول أستاذنا هذا بما فيهم خطيبته التي كان يعاملها نفس معاملتنا تقريبًا، ثم فجأة انحنت تلمع له حذاءه بمنديل كلينكس!

الموقف كان من الدهشة أن نقف جميعًا صامتين مقدار 5 دقائق مستنكرين عليها فعلتها، فلما نهضت كانت باسمة حقًا تحدق في الوجوه “مالكم!”، كم شعرنا نحن المتشدقات بالمساواة وقتئذ بضآلتها – بالرغم من أنها كانت فتاة مستقلة جدًا ومسؤولة عن إخوتها مسؤولية تامة لأن والديها كانا يعملان في الخليج وكان استقلالها هذا هو ما جعلنا في البداية نعجب بشخصها ونضمها لحيز الصديقات! – لقد فهمت معنى نظراتنا المستنكرة، ولم تبرر، هي قالت، لن أجعل زوج المستقبل يقال عنه “أبو جزمة قذرة”! – لاحظي – هي هنا دمجت الواجب في ذاتيتها هي، كأن حذاءها هو الذي سيقول الناس عنه ذلك.

أصبحت هي وواجبها كتلة واحدة متحركة ومتفاعلة وبينهما ذلك الهارموني غير الانفصالي، انقسم حول موقفها الزميلات، أما عن نفسي، فلقد أكبرتها جدًا، وعاهدت نفسي على تنظيف حذاء زوجي المستقبلي إن استدعى الأمر ذلك! لأن حتمًا حذاءه سيكون أنظف من عقول كثيرة!

في المرحلة الجامعية، كان لدي زميلة تدعي طيلة الوقت أنها تستطيع أن تصنع “كيكة إسفنجية” ببيضة واحدة! ومن يعرف مقادير الكيكة الإسنفجية يرى ذلك مستحيلًا! لم تكن زميلتي هذه من بيت فقير مثلًا، بل أباها ثري وهي نفسها كانت ترتدي من الحُلي والمصاغ ما يظهر ذلك، فلما سألتها عن سر فخرها بذلك، أجابت بعفوية، “التدبير نصف المعيشة”، نفس المقولة التي تحفظها لنا أمي منذ كنا صغارًا، هؤلاء النسوة اللواتي يعين تمامًا معنى كلمة أن تدبر لمعيشتها، أن تصنع من بيضة واحدة كيكة إسنفجية تستمتع بها أسرتها في أمسية سعيدة حول المدفأة (أو التي في موش هتفرق)، أن تصنع من مفرش قديم كساءًا جديدًا، أن تصنع من كبشة طحين واحدة رغيفًا، أن تصنع من ورد بالٍ مسحوقًا طبيًا، هؤلاء أخذن الواجب محل الذاتية، ليصبح هو وإثبات فردانيتها شيئًا واحدًا، الفردانية أنانية ليست فيها ثمة مسؤولية، والواجب اجتماعي جمعي، والاندماج بينهما يتطلب تنشئة نفسية سليمة أولًا، وتدريبًا على الجمال.

نعم الجمال، فالنفس الجميلة هي القادرة على الاندماج الذاتي بالواجب، ليصبح لديها “هوية” وليس واجبًا، على الجانب الآخر من النهر، نجد أولئك النسوة اللواتي لا يعرن مدخول أزواجهن أي اعتبار، فهي ماكينة صرف لا تشبع، هي تريد كل يوم كل يوم شيئًا جديدًا، ولا يعجبها شيء، ولا يرضيها شيء، وتطالب بحقها في أن يصرف عليها (كأن المسكين لا يفعل!) ثم تبدأ في مقارنات ساذجة بين بيت زوجها وبيت بابا وبيت خالتي والجيران والفئران، لتصبح الحياة بينهما عبارة عن بنك يقترض بالفائدة مصيره لإعلان إفلاس وماكينة صرف!

ثم إن شكى لها ضيق سعته مطالبًا إياها ببعض العقل والتدبر في المعايش تحولت إلى “مدام بوفاري” المتمسكنة مذكرةً إياه بالعِز الذي أتت منه (إن كان هناك عزًا أصلًا)! ولتلك النماذج البغيضة أقول “أكملي مسيرة بوفاري عزيزتي حتى النهاية!”.

في السيدات المصريات عادة قميئة للغاية، هي إهمال المظهر! لست أدري من أي قاموس جمعي للأعراف البالية حفظن ذلك العُرف وأقسمن على ترديده والعمل به كل يوم بكل إصرار! لكن الأمر مأساوي حقًا! أعرف تمامًا أن مسؤولية إنجاب أولاد والعمل على تنظيف المنزل والقيام بواجبات الزوج بالإضافة لعملها في الخارج يجعل من مسألة التّزين شيئًا ليس ذا أولوية في حياتهن! لكن لِم نجد نساءً أخريات من جنسيات أخرى يقمن ربما بأضعاف واجباتكِ تجاه الزوج والبيت والأسرة ثم لديهن الوقت الكافي للاعتناء بالمظهر والتزين؟

 

الأمر يستحق دراسة عزيزتي وليس مقالًا، لكن أدّعي أن السبب الأول هو الافتقار للمران، افتقارهن لمدرسة البروتكول الأولى في بيت أبيها، للنصائح الأولية التي من المفترض أن تكون أمها علمتها إياها أو على الأقل رأت أمها تفعلها! عملية التّزين عملية نفسية بالأساس، وهي واجب يومي مقدس نحو جسدكِ، مهما اختلف عظم موقعك الحساس في وكالة ناسا للفضاء عزيزتي، لا شيء سيؤهلك لذلك سوى المران مبكرًا وكل يوم، ولست هنا بمعرض للحديث عن التزّين من أجل الزوج فقط (وكأنه حرام مثلًا!)

 

لكنني أقصد أن تفعلي ذلك لذاتكِ أيضًا، لإمتاع ذاتكِ وترييض نفسيتكِ على الجمال، فالمران ما سيجعلكِ تفعلينه أوتوماتيكيًا كل يوم ثم يريض نفسكِ المطاطة على الابتكار، فيمتد تزينكِ من وجهكِ لجسدكِ لكل شيء محيط بكِ، ويكون ذلك هو النور الذي ابتدأ “جوانيًا” لينداح على كل بيتكِ بآيات من جمال! تمرنّ عزيزاتي تمرنّ!

 

نقطة أخيرة: الاعتراف بفضل الزوج مهما صغُرَ شيء مهم جدًا لنفسيته، بل أكاد أزعم أنه شيء مهم جدًا للبشرية، فزوجكِ الذي لا تُنعمين عليه بكلمات لينة خلابة سيخرج من البيت وكله هموم ثم يمارس عمله، أيًا كان، بقلب مثقل ونفسية خايسة!

 

مما يؤثر سلبًا عليه وعلى العمل وعلى آخر فرد في الطرف الآخر من الكرة الأرضية شاءت أقداره التعسة أن يتصل بخيطٍ ما مع عمل زوجكِ! أي ببساطة قد تكونين أنتِ سبب قيام حرب وقد تكونين أنتِ سبب خسارتها أيضًا! بسبب كلمة، كلمة واحدة بخلتي بها على المسكين، نعم أعرف أنه ربّما قد لا يستحق بسبب ما يفعله لتنغيص عيشتكِ، لكن ثقي أن لكل كلمة جميلة تأثير كهرومغناطيسي، في سبيله لاختراق صلف زوجكِ يومًا ما، فقط داومي على إطلاق إشعاعكِ الرقيق، بنفس مطمئنة.

 

اندمجي مع واجبك، كوني ذاتية الواجب! كوني أنتِ وهو كموجتي بحر تتمايلان وتتابعان في هارموني، هل رأيتِ أبدًا أمواجًا متشابكة؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد