منذ اندلاع ثورة الخامس والعشرين من يناير عام 2011 والقوات المسلحة المصرية حاضرة في المشهد السياسي المصري حتى صارت أحد بل أهم أركان أطراف العملية السياسية المصرية! ومنذ ذلك الحين وهناك عبارات ومقولات تتناقلها وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة، ومن ثم انتقلت إلي العامة من الناس. بل وَوُظفت هذه العبارات في تأييد القوات المسلحة المصرية ضد أي معارض لها.

 

وأبرز هذه العبارات هي وصف الجيش المصري بأنه “خير أجناد الأرض” استناداً إلي حديث نبوي قاله الرسول -صلى الله عليه وسلم-: “إذا فتح الله عليكم مصر بعدي فاتخذوا فيها جندًا كثيفًا فذلك الجند خير أجناد الأرض”.

 

والحق أننا لدينا ثلاث ملاحظات أساسية تتعلق بالحديث سنداً ومتناً وفقهاً!

أما الملاحظة الأولى التي تتعلق بإسناد الحديث، فإن هذا الحديث غير موجود في أي من كتب السُّنة المعتمدة. وقد ذكره الإمام العجلوني -رحمه الله- (1087 – 1162هـ = 1676 – 1749م) في كتابه “كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس” بدون إسناد أو حكم على صحته أو ضعفه. وقد حاول بعض أهل العلم أن (يصل) الحديث ولو من طرق ضعيفة! ليرفع الحديث من درجة البطلان إلى درجة الضعف حتى! غير أن محاولاتهم هذه لم تخل من النقد أيضاً!

وفي فتوى لموقع (الإسلام سؤال وجواب) -والذي يشرف عليه الشيخ محمد صالح المنجد- برقم (134287) أجابوا عن هذا الحديث بقولهم: “أخرج هذه الخطبة ابن عبد الحكم (ت257هـ) في “فتوح مصر” (ص/189)، والدارقطني في “المؤتلف والمختلف” (2/1003)، ومن طريقه ابن عساكر في “تاريخ دمشق” (46/162)، وأخرجها ابن زولاق الحسن بن إبراهيم الليثي (ت 387هـ) في “فضائل مصر” (ص/83) ، وعزاه المقريزي في “إمتاع الأسماع” (14/185) لابن يونس .جميعهم من طريق ابن لهيعة، عن الأسود بن مالك الحميري، عن بحير بن ذاخر المعافري، عن عمرو بن العاص رضي الله عنه.

 

وهذا إسناد ضعيف، فيه علل ثلاث:
عبد الله بن لهيعة: قال الذهبي رحمه الله في “الكاشف” (ص/590): “العمل على تضعيف حديثه” انتهى.
الأسود بن مالك: لم أقف له على ترجمة .

 

بحير بن ذاخر المعافري: ترجم له البخاري في “التاريخ الكبير” (2/138)، وابن أبي حاتم في “الجرح والتعديل” (2/411)، والذهبي في “تاريخ الإسلام” (7/326) ولم يذكر فيه أحد جرحًا ولا تعديلا، وإنما ذكره ابن حبان في “الثقات” (4/81). وبهذا يتبين أن الحديث ضعيف جدا ” اهـ.

 

أما الملاحظة الثانية والتي تتعلق بمتن الحديث، فهي “الخيرية المطلقة” التي جاء بها هذا الحديث على خلاف عادة الإسلام! فالإسلام يا سادة لا يعرف خيرية “الجنس” ولا خيرية “النوع” ولا خيرية “القومية” ولا خيرية “النسب” مجردة عن “سبب” لهذه الخيرية! فــ “لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ وَلَا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلَّا بِالتَّقْوَى” – رواه أحمد في مسنده-. وقال تعالى ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾[الحجرات: 13].

 

وقد ظن اليهود أنهم شعب الله المختار فقالوا:﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران:75] ففعلوا الأفاعيل. واستباحوا الدماء والأموال حتى استباحوا النساء! وهذا بالطبع مع غير اليهودي من الأميين –العرب-! فزعموا أن التوراة لم تنههم إلا عن خيانة إخوانهم الإسرائيليين، وأما الأميون العرب وغير العرب فليس عليهم ذنب في أكل أموالهم، إذ هم شعب اللّه المختار، ومن سواهم لا حرمة له عند اللّه، فهو مبغوض ولا حق ولا حرمة له، وعند ذلك يحل أكل ماله!

أما الخيرية التي أتى بها الإسلام فلابد وأن تكون (مسببة) فهي لا تعطي صكاً لأحد يفعل ما يشاء! وقد قال تعالى ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ فهنا جاءت الخيرية ولكن مقرونة بالسبب ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:110]. فنحن خير الأمم لا لجنس ولا لقومية ولا لجيش! ولكن لشعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

 

أما ما يستوقفنا من زاوية فقه الأمور فإننا نتساءل بصدق:
(1) هل يمكن أن نصف جنداً مهما فعلوا بوصف “خير أجناد الأرض”؟! فهل كل من تخرج في كلية عسكرية أو تطوع في القوات المسلحة المصرية يوصف بأنه من “خير أجناد الأرض”؟!

 

(2) هل الكليات التي يتخرج فيها “خير أجناد الأرض” –الكليات العسكرية- توصف تبعاً لهذا الوصف بخير “كليات الأرض”؟!

 

(3) ألم يكن الرئيس الأسبق “محمد حسني مبارك” جندياً وضابطاً في الجيش المصري؟! فكيف يصح لنا أن نثور على رجل من “خير أجناد الأرض”؟!

(4) هل كل مصر من الأمصار الإسلامية والعربية تحتاج إلي حديث “خاص” بجندها حتى تدفعهم دفعاً للاستبسال والحفاظ على سلامة أراضيها وحماية شعوبها؟! أم أن الأحاديث الصحيحة في فضل الجهاد تكفيهم وتكفينا؟!

 

وإذا كان هناك ثمة وصية نبوية بأهل مصر فهو الحديث (الصحيح) الذي بوب له الإمام النووي (631 – 676هـ =1234- 1278م) في شرحه لصحيح مسلم بعنوان (باب وصية النبي صلى الله عليه وسلم بأهل مصر) عن أبي ذر الغفاري –رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إِنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ مِصْرَ وَهِيَ أَرْضٌ يُسَمَّى فِيهَا الْقِيرَاطُ فَإِذَا فَتَحْتُمُوهَا فَأَحْسِنُوا إِلَى أَهْلِهَا فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً وَرَحِمًا أو قال ذِمَّةً وَصِهْرًا”.

 

قال النووي: “القيراط جزء من أجزاء الدينار والدرهم وغيرهما وكان أهل مصر يكثرون من استعماله والتكلم به، وأما الذمة فهي الحرمة والحق وهي هنا بمعنى الذمام، وأما الرحم فلكون هاجر أم إسماعيل منهم، وأما الصهر فلكون مارية أم إبراهيم –ابن النبي صلى الله عليه وسلم- منهم، وفيه معجزات ظاهرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، منها إخباره بأن الأمة تكون لهم قوة وشوكة بعده بحيث يقهرون العجم والجبابرة، ومنها أنهم يفتحون مصر”.

 

وأخيراً، فإن كل جندي يحمي تراب وطنه، ويدفع الشر والسوء عن أبناء بلدته، ويبيت ساهراً مرابطاً على الثغور، فهو خير أجناد الأرض بـ (عمله) لا (بجنسيته) ولا (قوميته). وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول: “وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ”.

والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

جيش, مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد