محمد عمر 68
محمد عمر 68

أتتذكر ذلك الشخص الذي لم تكن تفارقه فكنتما تتقاسمان الوقت والأحلام والأولويات؟ لكن ما لبث أن تحول هذا التقدير والمودة إلى فراق وبُعد ونفور وربما إلى نزاع، كل ذلك بسبب بعض الكلمات التي قيلت فأُخذت على غير معناها وتأول المقصود منها أو ربما لأنكما أسأتما الظن في بعضكما البعض. إن حسن الظن بالناس هو كأي مهارة تحتاج إلى ترويض وتدريب لكن الأصعب منه هو حسن الظن بالله. إن الطفل عندما تداعبه وترفعه في الهواء يفرح وتعلو وجهه ابتسامات وضحكات ولا يلقي بالًا لتلك الفرضية إلى ما سيحدث له لو أنك لم تلتقطه بعد رفعه. كل ذلك لأنه يحسن الظن بك ويثق فيك، فالأطفال لا يؤولون الأشياء وإنما يتعاملون بالظاهر فقط. ألا يتضاعف حسن ظنك بالله عندما تعلم أن الله أرحم من الأم بولدها؟!

Embed from Getty Images

إن حسن الظن بالله من أعظم العبادات؛ لأنك إن أحسنت الظن بالله خضع لك كل شيء، وذلك لأن من عوّد الله شيئًا عودّه الله خيرًا منه. إن حسن الظن في معناه هو أنك يجب أن توقن بأن الله هو القادر على كل شيء ولا تقال إلا له، فإن سألت الله شيئًا يجب أن تسأل بلا حدود موقنًا بأن الله قادر على تسهيل وإخضاع هذا الأمر لك، عن العرباض بن سارية – رضي الله عنه -قال : قال النبي – صلى الله عليه وسلم – : «إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه سر الجنة».(صحيح). عليك أن تطلب من الله ما تراه مستحيلًا في نظرك أنت وتذكر قول الله تعالى وهو عليّ هيّن. (سورة مريم 9) افعل ذلك موقنًا بالله واثقًا بأنه سيحقق لك ما تتمنى ولا تفعله بتجربة فلا تجارب مع الله وإنما يقينًا وعملًا.
ألا تشعر بسعادة واطمئنان عندما يقول لك أحدهم: أنت في عيني. دلالة على اهتمامه بك وتقديره لك؟ ألم تلتفت لقول الله تعالى: (واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا) (سورة الطور 48).

وكما كتب محسن الطبطبائي قائلًا: يشفيك من كنت دومًا بذكره تتغنى … والحال تحسن لما أحسنت بالله ظنًا

إن أعظم مراحل حسن الظن بالله هو أن تعلم وتوقن بأن الله لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وحتى تترسخ هذه الحقيقة في قلبك فعليك أن تتقرب من الله بغرض التعرف عليه، وأنا على يقين بأن القرب من الله لا يزيدنا إلا حبًا وتعلقًا به سبحانه وتعالى. لو أراد الله بنا سوءًا أو هلاكًا لاستجاب لدعوات الأرض كل صباح عندما تقول يا رب دعني أبتلع ابن آدم فقد أكل من رزقك ولم يشكرك، وتقول البحار يا رب دعني أغرق ابن آدم فإنه قد أكل من رزقك ولم يشكرك، وتقول الجبال يارب دعني أطبق على ابن آدم فقد أكل من رزقك ولم يشكرك، وتقول السماء يارب دعني أنزل كسفًا على ابن آدم فإنه قد أكل من رزقك لوم يشكرك. فيقول الله تعالى: يا مخلوقاتي! أأنتم خلقتموه؟ فيقولون: لا يارب. فيقول الله تعالى: لو خلقتموه لرحمتموه. دعوني وعبادي، من تاب إلي منهم فأنا حبيبه ومن لم يتب فأنا طبيبه وأنا أرحم من الأم بولدها، من أتى منهم تائبًا ناديته من بعيد مرحبًا بالتائبين، ومن ابتعد منهم عاصيًا ناديته من قريب إلى أين أنت تذهب؟ أوجدت إلاهًا غيري أم وجدت رحيمًا سواي؟

إن المؤمن ينظر إلى كل أمور حياته التي له دخل فيها بأنها أمور معللة، والتى ليس له دخل فيها بأنها لحكمة قد أخفاها الله ولا ننكر أنه أحيانًا يعز المطلوب أو يتسلط المرغوب، وفي تلك الأوقات يظهر المعدن الأصلي للتعلق بالله وحسن الظن به والتوكل عليه. واقرأوا قصة أبو مسلم والدقيق وقصة حاتم الأصم وابنته الصغيرة التي فاق حسن ظنها بالله ما فاضت به نفوس أجيالٍ كاملة.

حسن الظن بالناس

إن أردت أن ترتاح فعليك أن تحسن الظن بالناس في كل أقولهم وأفعالهم، فأنا وأنت لسنا تلك الجهة الرقابية التي أنزلها الله لتكون حكمًا على الناس. إن كنا أنا وأنت تصعب علينا معرفة نوايا أنفسنا الحقيقة في أي عمل نقوم به فكيف نتسلط ونحكم على نيات الآخري؟ إن ما تراه من الناس هو ذلك الجزء الذي أراد لك الناس أن تراه منهم فإن لم تحسن تخيل الجزء الخفي فعليك أن تكتفي بما هو إيجابي حتى لا تظلم أحدًا معك. فإن رأيت أو سمعت شيئًا فعليك أن تُحسن تأويله بمعنى أن الشخص الآخر قد فعل ذلك قاصدًا الخير، ولعله فعل ذلك لسبب لا تعلمه أنت فترتاح نفسك وتهدأ سريرتك.

إن الله عز وجل لم يحث المسلمين على ترك شيءٍ بقوله اجتنبوا إلا في ثلاثة أمور هي: الخمر والشرك وسوء الظن. فالشرك يدمر العقيدة وشرب الخمر يدمر العقل ويذهبه، أما سوء الظن فيدمر العلاقات مهما كانت جميلة. لذلك عظم أمره ووجب التحذير منه فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ) (سورة الحجرات 12) لإن سيء الظن بالناس عدو نفسه، فيعيش وحيدًا ولا يقرب منه أحد لأنه لا يثق في أحد ولا يستطيع كسب ثقة الآخرين بطبيعة الحال. وعلينا أن نتعلم من الصالحين السابقين رضوان الله عليهم عندما قال أحدهم: لو رأيت أخي ولحيته تقطر خمرًا لقلت سُكبت عليه. ولو وجدته واقفًا فوق جبل يقول أنا ربكم الأعلى لقلت يقرأ الآية. اترك الحكم على الآخرين لله ولا تتدخل فيما لا يعنيك فربما قتلت نفسًا بكلمة أو عسّرت حياة أحدهم بإشاعة لا أصل لها، فالناس وخاصة في مجتمعاتنا العربية لا تترك شيئًا أو أحدًا على حاله، فإن أذنب شخص ما فضحوه وعابوه وإن تاب وأصلح تحدثوا عنه بالقيل والقال، إن ساعد محتاجًا قالوا مصلحة وإن زار عزيزًا قالوا خوفًا.

Embed from Getty Images

ولتعلم أن حُسن الظن من الأمور الشاقة التى لم يسلم منها أحد، ما كان من الصحابي الجليل أسامة بن زيد لما طعن أحد المشركين بعدما وقع سيفه في إحدى المعارك وجاء رسول الله وعلم بما حدث فقال له النبي صل الله عليه وسلم: أقتلت رجلًا بعدما قال لا إله إلا الله؟ فقال سيدنا أسامة: والله يا رسول الله ما قالها إلا مخافة (أي خوفًا من الموت)، فقال رسول الله ماذا تفعل لو جاءت لا إله إلا الله يوم القيامة؟ فأنت لا تعلم نيته أو مقصده.

حتى أن الإمام الشافعي لما كان مريضًا جاءه رجل وقال له: قوى الله ضعفك يا إمام. فضحك الشافعي وقال: لو قوى الله ضعفي لمت. فقال الرجل: والله ما قصدتها. فقال الإمام :أعلم أنك ما قصدتها. فموقف كهذا يوضح لنا كم أن تأويل الكلمات سهل على الكل حتى أن الإمام الشافعي رحمه الله أوشك أن يقع في فخ سوء الظن. لذلك إن رأيت شخصًا في موقف ريبة فعليك أن تحسن الظن به، والأولى من ذلك أن تحسن الظن عندما تسمع عن شخصٍ آخر. يقول أحد الأشخاص إني أكره فلانًا فقال له صاحبه: لا تقل إنى أكره فلانًا فلربما كان هذا الرجل عند الله بمكانة الصالحين ولأن الله يمقتنا جعلنا نكره الصالحين. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إياكم وسوء الظن فإن الظن أكذب الحديث، فحاول أن تضع نفسك مكان الناس لتحسن الظن بهم. والتمسوا لهم الأعذار ولا تجعلوا للريبة وتأويل الكلمات مكانة في قلوبكم.

إن حسن الظن هو الطريق لسلامة الصدر من الضغائن والأحقاد، وهو السبيل إلى حب الناس وتوطيد العلاقات وروابط المحبة والتراحم. كما أن القلوب التي تكون مبنية على حُسن الظن وسلامة الفطرة لا يستطيع أي عدو أن ينال منها، فلا يمكن لأحد أن يوقع بين من أحسنوا الظن ببعضهم فباتوا يدعون لأنفسهم ولأصحابهم.

رزقنا الله وإياكم سلامة الصدور والأفئدة، وجعلنا من الذين أحسنوا الظن به وبخلقه فباتوا فرحين مطمئنين. دمتم أهلًا لكل خير.

Embed from Getty Images

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك