نعود للوراء قليلًا لنرى أنه لم تكن المرة الأولى التي يصاب فيها العالم بوباء قاتل على مر التاريخ. فقد حدث هذا مع الطاعون، والسل، والإيدز، والأنفلونزا. وغيرهم طبعًا.

ومن لم يمت بوباء فالحروب ستقوم بالواجب. ونحن شهود على الحرب العالمية الاولى والثانية. وغيرها طبعًا. لتُفجع الأرض بموت عشرات الآلاف من سكانها وأحيانًا ملايين.

الحرب العالمية الاولى التي تُعتبر من أعنف الصراعات في التاريخ، والتي استمرت أربع سنوات ذهب ضحيتها نحو 9 مليون شخص.

لم تتوقف خسائر العالم الإنساني لتفجع الأرض بمزيد من الدماء في الحرب العالمية الثانية التي استمرت ست سنين عجاف راح ضحيتها قرابة 17 مليون ويزيد.

ولم يتوقف الأمر على خسارات الحرب لتُكمل الأوبئة والأمراض مشوار استنزاف الكائن البشري.

الموت الأسود – الطاعون – هذا الوباء الفتاك لم يكن ارحم من الحروب على بني آدم قديمًا وحديثًا حتى أنه تميز بنسبة الوفيات العالمية التي قد تصل إلى 50%.

وقديمًا مع الطاعون بدأت أولى قواعد الحجر، حيث قال رسول الإسلام سيدنا محمد صلَى الله عليه وسلم: إذَا سَمِعْتُمْ بِالطَّاعُونِ بِأَرْضٍ فَلَا تَدْخُلُوهَا، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا مِنْهَا.

كورونا لا يختلف كثيرًا عن غيره من الأوبئة والأمراض فهو وحسب منظمة الصحة العالمية بلغ عدد المصابين به حول العالم نحو 11 مليون فيما يُقدر عدد الوفيات بفيروس كورونا حول العالم 525 ألف.

ويبدو أن كل هذه الخسائر قد تزيد إذ تقول غاريت مؤلفة كتاب (الطاعون القادم) وحسب توقعاتها: لقد أخبرت الجميع أن أفق رؤيتي للحدث هو حوالي 36 شهرًا، وهذا هو أفضل الاحتمالات. وسواء صدقت توقعاتها أم لا. المهم على العالم أن يستعد ويقاوم ويصارع هذا الوباء الذي لابد إلى زوال.

دينيًا: مُنع الحج 40 مرة أو أكثر على مر التاريخ رحلة المسلمين المقدسة هذه لم تتوقف إلا لأمر جلل. يُذكر عن تعطل الحج 10 سنوات أيام القرامطة. وفي أوقات أخرى ثلاث أو أربع أو سنتين. بسبب حروب وخلافات مرة، ومراتٍ أخرى بسبب أوبئة وأمراض. الشاهد أن تعطيل الحج في زمن الكورونا هي ليست المرة الأولى. وقد حدث هذا على مر التاريخ مع الكنائس والمعابد والمساجد.

قبل كورونا الآلاف من البشر يموتون بسبب الجوع، والفقر، والاضطهاد، والحروب، والظلم. كورونا ليس الوحش الوحيد على الإنسانية.

كورونا مرض عُضال وليس بهين. وباء فتاك لا يُستهان به. كورونا لا يفرق بين أسود وأبيض، أو صغير وكبير، أو رجل وامرأة، ولا بين أتباع أي دين. أصبح أهل الدار الواحد والصديق مصادر قلق خشية الإصابة والعدوى. حتى أنت نفسك مصدر قلق لنفسك، إن فكرت أن تدلك عينيك، أو أن تلمس شيئًا دون الوقاية والحذر أولًا.

إيجابيات كورونا: الطبيعة تنفست بعد أن توقف البشر عن خنقها. السماء أصبحت صافية، بلا مصانع ولا دخان. حتى النبات انتعش. وحتى البحار والأنهار ارتاحت من أثقال البشر. ثقب الأوزون تعافى الآن. الحيوانات تنفست الصعداء. الكثير من الشباب اليوم عاد إلى القراءة. أصبح هناك وقت للجلوس مع الأسرة والتقارب أكثر بعد أن سرقه الانشغال بأمور الحياة قبل الوباء.

كورونا يقول لنا أن لا فرق بين البشر مهما تفرقوا. مصيرهم واحد، وسفينة النجاة واحدة، وإن أرادوا الانتصار على أي خطر فلا سبيل لذلك إلا أن يرحم بعضهم بعضًا ويسند بعضهم البعض.

وأخيرًا من الطبيعة أو مؤامرة، أو غضب من الله، أو لعبة سياسية، أو اقتصادية هو واقعٌ فعلًا، ولا مفر منه إلا بالوقاية. وبعد عام أو 100 عام سينتصر الإنسان حتمًا. ثم: أشرقت الأرض بنور ربها. وازينت. وبعد كل محنة منحة، وبعد كل بلاءٍ عافية وبعد عتمة صبح.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد