ما أقسى لحظة الخروج من قصر الحمراء في غرناطة!

في يوم 2 يناير (كانون الثاني) 1492م ينتهي رسميًّا الوجود الإسلامي في غرناطة والأندلس سياسيًا، لتصبح ملكًا نصرانيًا تحت حكم إيزابيلا وزوجها فرناندو، وارتفع الصليب الفضي فوق برج الطلائع في قصبة الحمراء، ودقت أجراس الكنائس في سائر أوروبا احتفالًا بهده المناسبة الجليلة، على حد قول الكتاب والمؤرخين، ودخلت الكتائب العسكرية النصرانية تصول وتجول في حي البيازين الغرناطي الشهير، وفي محيط قصر بني الأحمر؛ تمهيدًا وتحضيرًا لقدوم الملكين المسيحيين إيزابيلا وفرناندو، فيما كان أبو عبد الله الصغير يستعد مرفقًا بحوالي خمسين فارسًا لمغادرة غرناطة وعبور نهر شنيل المعروف اسمه في الأغاني العربية الأندلسية، التي تتداول في شمال أفريقيا والجزائر على الخصوص مخلدة ذكرى القنطرة التي ما زالت تعبره إلى اليوم.

ويتوجه الأمير الحزين عبد الله إلى مقر إقامته الجديد الجبري في أندراش، والحسرة تعلو محياه، والعبرات تخنقه، لقد بكى على غرناطته الجميلة بكاء النساء، وأضاع ملكًا جليلًا لم يحافظ عليه مثل الرجال، وهذا مثل ما تواترته الأخبار من حديث والدته عائشة إليه بعد الخروج والنكبة.

وقد أصبحت هاته الأحداث موضوع القصاصين والرواة على مدار الخمسة قرون، وتحتفظ أغاني الفلكلور الإسباني بشيء منها إلى يومنا هذا، وهي تحيي ذكرى الأمير الصغير وحسراته وحزنه من ضياع ملك الأجداد واندثار مجدهم، وتخبرنا بعودة روحه كل مساء وليلة حين يكتمل البدر؛ لتطل من فوق جدران قصر الحمراء، سلم أبو عبد الله الصغير غرناطة بعد صلح عقده مع فيرناندو يقتضي بتسليم غرناطة وخروج أبو عبد الله الصغير من الأندلس، ولكن سرعان ما نقض هذا الأخير العهد.

وبدأت محاكم التفتيش في التعذيب والقتل والنفي، وبدأت هنا معاناة أهل الأندلس من المسلمين ومن اليهود؛ فقد كانت محاكم التفتيش تجبرهم على التنصير أو الموت، وقد تمسك أهل الأندلس بالإسلام ورفضوا الاندماج مع المجتمع النصراني. وحسب الرواية القشتالية الرسمية، لم يُبد الأندلسيون رغبة في الاندماج في المجتمع النصراني، وبقوا في معزل عنه، يقومون بشعائرهم الإسلامية ويدافعون عنها بكل تفان. وحتى لا يصطدموا بمحاكم التفتيش لجأوا إلى ممارسة التقية؛ فأظهروا النصرانية وأخفوا الإسلام، فكانوا يتوضؤون، يصلون ويصومون، كل ذلك خفية عن أعين الوشاة والمحققين.

Embed from Getty Images

وحسب ما يقوله الباحث، فوزي سعد الله، في تاريخ الشتات الأندلسي، فإن أهالي غرناطة بعد هاته النكبة، استطاع قسم كبير منهم اللجوء إلى شمال أفريقيا، وبالخصوص الجزائر؛ فقد قصدوا مدنًا مثل شرشال والبليدة ووهران والجزائر العاصمة، ويسوق لنا مثالًا أكده المؤرخ الرحالة الأوروبي الحسن الوزان أو ليون الأفريقي، حين يؤكد على أن الغرناطيين جددوا وأعادوا بناء دور القلعة، ووزعوا الأراضي بينهم، ثم صنعوا الكثير من السفن للملاحة، واشتغلوا بصناعة الحرير؛ إذ وجدوا في سواحل شرشال والقليعة والبليدة كمية لا تحصى من أشجار التوت الأبيض والأسود؛ فعاشوا في رخاء دائم حتى أصبحوا يسكنون في مائتين وألف بيت، ولم يخضعوا إلا لبربروس الذي لم يؤدوا له سوى خراج سنوي قدر بـ300 مثقال دهب، ولا يستبعد أن يكون ازدهار الصناعات والنشاطات الاقتصادية المرتبطة بتربية دودة القز وإنتاج الحرير في حاضرة شرشال الجزائرية من إنجازات الغرناطيين من أهل جبال البشرات، أكثر من غيرهم، ولو أن البلنسيين عرفوا هم أيضًا بإتقانهم هذه الصناعات، تعد شهادة الكاتب مارمول كاربخال حين زار الجزائر في القرن السادس عشر تأكيدًا لرواية الحسن الوزان، فإليكم مقتطف منها، لقد كانت شرشال مجرد أطلال مند 300 سنة إلى أن جاء من أهل غرناطة إلى أفريقيا العديد من الأندلسيين، وشرع بعضهم في إعادة بنائها وحصنها، ومن يوم إلى آخر أضحى سهلها يزداد امتلاءً بالمدجنين والثغريين وأهل إقليم الأندلس، وهم شجعان ومهندسون ويملكون مجموعة من الأراضي الزراعية داخل الأسوار القديمة، غرسوا فيها الكروم وأشجار الزيتون، كما غرسوا فيها عددًا كبيرًا من أشجار التوت لتغذية دودة القز للحصول على الحرير، وهي تشكل المصدر الأكبر لمداخلهم لأن البلد يليق بهذا النشاط، يصف الكاتب الإسباني كربخال أن سكان شرشال أغنياء ويعيشون حياة رخاء، وأنهم بكفاءتهم ونشاطهم يشكلون ثروتها الأساسية، العائلات العريقة في شرشال ترد أيضًا فضل شيوع صناعة الخزف والأواني الطينية وازدهارها، التي بقيت المدينة تمتهنها حتى القرن العشرين، إلى أولئك الأندلسيين القادمين من غرناطة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

andalouse, emir, granada
عرض التعليقات
تحميل المزيد