«جان جاك روسو» هو كاتب، وأديب، وفيلسوف، وموسيقي ولد في سويسرا لأسرة فرنسية، يعد واحدًا من أهم كتاب عصر التنوير في التاريخ الأوروبي [1]، له العديد من المؤلفات في مجالات عديدة، ولكن ما يهمنا هنا مؤلفه «العقد الاجتماعي»، الذي كان الأكثر تأثيرًا على الحياة السياسية؛ تمهيدًا للثورة الفرنسية حسب وصف العديد من الفلاسفة، النقطة الأبرز هنا هو كتاب العقد الاجتماعي الذي يعد هو الصياغة الفلسفية والفكرية لوضع دساتير الدول، وخاصة بعدما تأسست منظمة الأمم المتحدة، ونظام ما بعد الحرب العالمية الثانية، ومثل أي مجهود بشري وفكري؛ فهو نتيجة لما سبقه، وسبب لما جاء بعده .

اتخذت العديد من نخب شعوب العالم الكتاب باعتباره مرجعية على تقدمها وتحضرها، فالكتاب بدأ بحرية الإنسان شارحًا بذلك المجتمعات الأولى، وشرعية الحق لديها، موضحًا المشكلة التي بصددها الكتاب؛ وهي رجوع الإنسان لحريته الأولى باعتبارها مدخلًا لمواجهة الاستبداد، مؤكدًا أن مصدر السيادة هو التوافق على المصالح المشتركة، عرّف فيه الدولة بصفتها شخصًا معنويًّا، القانون فيه هو مصدر الحركة والإرادة، موضحًا ترتيب إلزامية القوانين للدولة صاحبة السيادة، والشعب صاحب السلطة التشريعية، الذي يملك سلطة تنفيذية وهي الحكومة، شارحًا أنواع الحكومات، وتقسيماتها، ومعايير الحكم عليها، بالحكومات الصالحة والفاسدة، وعوامل استمرار الدول وانهيارها [2]، فالكتاب خليط من قراءة التاريخ، والفلسفة، وعلم الاجتماع، والسياسة، وتطبيقات عملية لدول قائمة آنذاك .

تأثر العديد من الكتاب والفلاسفة، وأصبح هناك ما يسمى بفلاسفة العقد الاجتماعي، قاموا بتطوير النظرية وأدخلوا عليها العديد من التعديلات والتقسيمات، انتهى بهم الحال لشكل الدولة الحالي المتعارف عليه، مجتمع، وأرض، وسلطة، ثم قسمت السلطة لثلاثة أنواع؛ تشريعية، وتنفيذية، وقضائية… وهكذا. في تسعينيات القرن الماضي تبنت منظمة الأمم المتحدة أفكارًا جديدة يرجع أساسها لنظرية العقد الاجتماعي، عرفت هذه الأفكار بمبادئ الحكم الرشيد.

كانت الموجة الأولى من الاتفاقيات الدولية هي لتأسيس علاقات بين الدول وبعضها، باعتبارهم أعضاء المجتمع الدولي، وكيفية نشأة الدول، والموجة الثانية كانت اتفاقيات الحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وآليات تحققها، جاءت الموجة الثالثة باعتبارها محاولة لتصحيح مسارات النظام العالمي، الذي تم تأسيسه بعد الحرب العالمية الثانية، خاصة بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، فقد تبنت القوة العظمى الوحيدة الولايات المتحدة الأمريكية في عهد «كلينتون» عدة أفكار اجتماعية، وأدخلتها على النظم الليبرالية؛ لتخفيف شدة الآثار السلبية على الطبقات الفقيرة حول العالم.

اتخذت في ذلك السبيل رؤيتين؛ الأولى تخصيص حصص انتخابية للفئات المهمشة والضعيفة للمشاركة في عملية صنع القرار السياسي، خاصة في الدول الشمولية والاستبدادية، والرؤية الثانية كانت عملية الاندماج الاجتماعي، كانت أغلبها للأفراد الجدد المنضمين للمجتمعات الحرة في الدول الغربية، تحققت العديد من النجاحات الاقتصادية والسياسية في عدة مناطق على مستوى العالم، فيما عرف عالميًا بالموجة الثالثة والرابعة من الديمقراطيات في نهاية القرن الماضي.

ظلت المجتمعات العربية محتفظة بأفكارها التي وجدت فيما قبل الحرب العالمية الثانية، بالرغم من محاولات العديد من المثقفين العرب والنخب، السعي لتطوير هذه المجتمعات، ارتكنت معظم هذه التفسيرات على عدة نقاط أبرزها؛ طبيعة التراث الإسلامي، وأنظمة الحكم، والموروث الثقافي للاستبداد… وغيرها، حاولت كثيرًا النخب العربية بكافة تياراتها القومية والإسلامية والليبرالية واليسارية استنتاج الأسباب والدوافع ومعالجتها، ولكنها جميعًا فشلت في إقامة أي نموذج ديمقراطي حر وفعال في المنطقة العربية، ربما كانت تنجح تلك المحاولات إذا ما مورست في وقتها باعتبارنا جزءًا من العالم، لكن الوقت الآن قد مر، أفشلت كافة أنظمة الحكم في العالم العربي كل محاولات التغيير والتجربة نحو مجتمعات متحضرة تتعايش كافة مكوناتها .

بخروج شعوب مناطق كثيرة من العالم للشوارع مطالبة بالتغيير، شاركت فيها كافة طبقات تلك الشعوب الغني قبل الفقير في الدول الحرة وغير الحرة، بعضها دول مجتمعاتها تتمتع بالكثير من الرفاهية، وتحصل على العديد من الخدمات، بينما أكثر المناطق سخونة في العالم هي المنطقة العربية فقد قاربت على 10 سنوات في حالة تظاهر مستمر، والتجارب الناتجة عن ذلك لم تحقق كل أماني شعوبها، فبعيدًا عن الأسباب الفكرية أو المواقف لكافة القوى السياسية والاجتماعية الفاعلة داخل المجتمعات العربية، فالنهاية هي عوارض لمرض، أيضًا المعالجات المقدمة لهذه المواقف قديمة، وأصبحت متناهية الصلاحية، فمثلًا في مصر كانت صياغة دستور 2012، ودستور 2014، وتعديلاته 2019 واحدة من أكثر النماذج السيئة في صياغة الدساتير؛ السبب ليس فقط عملية صناعة الدساتير، بل الفلسفة أو الذهنية التي صنعته، فالدستور تمت صياغته بشكل أن الدولة والشعب طرفان يتم التعاقد بينهما على تسيير شئونهما بالطريقة التالية. مثال آخر نموذج تونس بالرغم من نجاحاته المهمة إلا أنه أنتج ديمقراطية غير فعالة، وأفرز نماذج حكم تم استدعاؤها من الماضي جميعًا، بينما النموذجان الليبي والسوري فقد حاولا البداية من الصفر؛ فكانت النهاية بلا دولة.

المشكلة التي يحاول أن يصفها المقال هي أن نظرية العقد الاجتماعي أصبحت غير قابلة للعمل، وآن الأوان إنهاؤها باعتبارها مرحلة تاريخية من عمر البشرية، فقد نتج عنها النموذج الديمقراطي الحالي، الذي هو بالأساس نموذج متطور لفكرة منحة الحاكم لشعبه، انتهى بفقدان الثقة والمشاركة في الانتخابات للديمقراطية التمثيلية بكافة أنواعها وأشكالها، كما أن المواطن الذي لا يرغب بالمشاركة في الانتخابات، هو مشارك في كافة المظاهرات لأي نتيجة ضد هذه الانتخابات، بعضها وصل لمرحلة من العجز التام مثل النموذجين الإنجليزي والأمريكي، فلا يوجد تيار قادر على حسم معاركه، كما أنه أفرز نتائج سياسية هي خطر على الأمن والسلم الدوليين.

النخب الفكرية والسياسية أصبحت عاجزة عن إقناع الجماهير بالمشاركة الموسمية لاختيار صناع القرار، كما أنها لم تستطع أن تلبي كافة طموحات الأجيال الجديدة لإنهاء المشاكل العالمية، والتي أصبحت تهدد كافة المجتمعات، بل إن أهم المنجزات العملية في التواصل، بعد أن كانت مصدر فخر أمام الشعوب، استخدمت ضد هذه النخب وأصابتهم بالشلل.

الشعوب في الشارع، والحكومات فاشلة، والنخب الفكرية عاجزة، والقوى الاجتماعية فاقدة القدرة على التواصل والإقناع، المنطقة العربية لن تهدأ قبل صياغة أنظمة سياسية جديدة ضمن رؤية عالمية مغايرة للرؤية القديمة التي تأسست فيما بعد الحرب العالمية الثانية؛ فالشباب العربي لن يرضى بدستور ديمقراطي، ونظام سياسي حر، بل يريد حلًا عادلًا يشمل كافة قضايا العرب، فنظام منظمة الأمم المتحدة تجاهل وعن عمد كافة قضايا الشرق الأوسط، بل إنه ساهم في عرقلته، والسيطرة على طموحاته وتطلعاته مثل كافة شعوب العالم.

آفة الثورات العربية منذ أن بدأت في تونس 2010 هي معرفتها الجيدة لكل ما ترفضه، ولكنها عاجزة عن شرح ما تريده أو تحلم به، هي جزء من العالم، وستكون الأكثر إزعاجًا؛ لأنها لم تحصل على حقوقها، وتحقق أحلامها في النظام العالمي الحالي، فالدستور لن يتم صياغته باعتباره عقدًا بين حاكم ومحكوم، والسلطة لن تكون تنفيذية، وقضائية، وتشريعية، والقوى الاجتماعية والمنظمات السياسية لن تكون شرعيتها بيد الحاكم أو السلطة القائمة.

هنا قد تكون مساهمة؛ سيكون الدستور باعتباره القانون الأساسي هو إعلان دولة بمواصفات مجتمعها الذي أسسه، والسلطة تفاعلية وتشاركية، لن يكون صناعة القرار فيها موسميًا، وضمانة الحقوق والحريات بيد مجتمعها، وتشكيل منظماته بشرعية مكونيه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد