منذ زمن بعيد فقدت فتاة صغيرة والدها، قبل أن تعرف معنى كلمة «أب»، ولكن القدر أرسل لها البديل أبًا روحيًّا، ولكنه أب مختلف بعض الشيء. كان أول تعارف بينهما عن طريق صديقة لا أتذكر اسمها الآن بالضبط، ولكن أعطتها هذه الصديقة كتيبًا صغيرًا في حجم كف اليد، حتى وهي التي لم يتجاوز عمرها الثماني سنوات كانت ترى الكتيب صغيرًا في الحجم.

الغريب في الأمر أن هذه الصديقة لم تقرأ كتابًا آخر بعد هذا الكتيب في حياتها تقريبًا، أو على الأقل في الفترة التي كانت تعرفها فيها فتاتنا. قالت الصديقة ذات مرة للفتاة: «هذا كتيب رائع»، ثم نسيت الأمر برمته. لم تعرف الصديقة ما قدمته للفتاة الصغيرة لقد أرسلت لها الأب التي كانت تبحث عنه الفتاة في كل من حولها ولم تجده، كان يرسل لها هذا الأب الرسائل، النصائح التربوية والمعلومات القيمة عبر هذه الكتيبات الصغيرة. وأدركت الفتاة أن هذه الكتيبات ستكون وسيلة التواصل بينهما منذ ذلك الحين.

أدخلها في عوالم لم تعرف عن وجودها شيئًا، وعرفها إلى أشخاص جدد أحبتهم وأحبوها وكانوا لها خير صديق، كانت تغوص في الكتيب حتى تثمل من لذة الكلمات، وتنسى العالم من حولها، مهما كانت المصاعب أو المشاكل التي تواجهها في حياتها كانت على يقين أنه يشعر بها، وسوف يرسل لها كتيبًا جديدًا يؤنس وحدتها ويداوي جروحها، كانت تشعرها كتبه باللذة التي يشعر بها متعاطي مخدرات، ولكن مخدرها كان بدون آثار جانبية، بالعكس كان إدمانًا من النوع المفيد.

كان الأب بجوارها دائمًا عندما تحتاج له، لم يخيب ظنها قط. كبرت الفتاة قليلًا فكتبت قائمة بالأشياء التي تتمنى تحقيقها في حياتها، وكانت الأمنية الأولى في القائمة هي لقاء هذا الأب الحنون الذي يحتويها منذ سنوات. شعرت أنه من المنطقي بعد كل هذه السنوات أن تتلقى الرسائل وجهًا لوجه، ولكن في كل مرة تحاول لقاءه كانت المحاولة تفشل. ولكنها لم تفقد الأمل، وفي الكثير من الأيام كانت تنسج مشاهد كاملة للمقابلة التي كانت على يقين أنها ستحدث في يوم من الأيام. تعرف ماذا ستقول وفي ماذا ستسأل، وبالتأكيد ستأخذ معه صورة تذكارية تنشرها في كل مكان وفي كل صفحة من صفحاتها على وسائل التواصل الاجتماعي.

كبرت الفتاة وأصبحت راشدة، والأب يعرف هذا بالتأكيد؛ فأرسل لها رسائل تتواكب مع عمرها الحالي، واستبدل الكتيبات الصغيرة بأخرى أكبر حجمًا ومضمونًا. كانت منذ أيام قليلة تسمع أنفاسه في خيالها وترى ابتسامة وجه وسخريته من خلال كتاباته. كانت تقرأ آخر رسائله منذ أسابيع قليلة وتمنت ألا تطول المدة هذه المرة قبل أن يرسل رسالته القادمة. لم تدرك الفتاة أنها ستفقد أباها للأبد بعد أسابيع قليلة.

مات الأب للمرة الثانية بعد أن أدركت الفتاة معنى الكلمة جيدًا، مات بعد أن أنشأ وعي جيل بأكمله، أدركت بعد موته أنها لم تكن ابنته الوحيدة فكان يرعى الكثير من الفتيان والفتيات، ولكنه لم يشعرها يومًا بذلك، كان يعطيها كل اهتمامه كأنها ابنته الوحيدة، مات أبي الذي لم أقابله يومًا، ولكنه كان موجودًا في كل لحظة من لحظات حياتي. مات ولكنني ما زالت أشعر به في وجداني.

مات العراب، مات أحمد خالد توفيق.

«وداعًا أيها الغريب
كانت إقامتك قصيرة، لكنها كانت رائعة
عسى أن تجد جنتك التي فتشت عنها كثيرًا
وداعًا أيها الغريب
كانت زيارتك رقصة من رقصات الظل
قطرة من قطرات الندى قبل شروق الشمس
لحنًا سمعناه لثوانٍ من الدغل
ثم هززنا رؤوسنا وقلنا إننا توهمناه
وداعا أيها الغريب
لكن كل شيء ينتهي!».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد