إن أحد أعظم موضوعات النقاش والتحاور بين المفكرين وأصحاب الرأي هو ذلك الذي ما لبث إنسان في الوجود إلا وتطرق إليه، إن لم يكن مع نفسه فمع أقرانه. يلخص هذا الحوار في سؤال بسيط هو: هل الإنسان مُخّير أم مُسّير؟ إن اعتمدنا على أننا لا نختار أسماءها ولا عائلاتنا ولا حتى المكان الذي نولد فيه؛ فستلاحظ أننا نتشابه كل التشابه مع البضائع أو السلع التي نتداولها كل يوم. فنأتي إلى الدنيا ومعنا شهادة مواصفات خاصة بكل واحد فينا.

فسجل المواصفات يكون كالتالي. الصنف: ذكر. البلد: مصر. الاسم: ع.س. الديانة: مسلم. الوزن: ٦ أرطال عند الولادة. لون البشرة: قمحي. لون العينين: بني.

لا يمكن لأحد أن يتدخل في تلك المواصفات كما أنه ليس للشخص نفسه أن يطلب في تعديل أي منها. فعلى سبيل المثال لو أعلمك والداك قبل ولادتك أن بلادنا العربية مليئة بالحروب وتعاني من تدني مستوى التعليم أو المعيشة لما اخترت أبدًا أن تولد فيها. لو أعلموك أنهم يعيشون حياة صعبة لا تعرف معنى العدل، لكنهم في انتظارك لتدخل عليهم السرور وتكون مصدر فخر لهم؛ لطلبت على الفور تغيير العائلة، أو محل الميلاد. أما لو علمت أن أباك هو أحد كبار المسؤلين في دولة ما فستتمنى لو ولدت على وجه السرعة هربًا من ضيق الرحم وظلمة بطن الأم، حتى لو أن منصب والدك هذا لا يضمن لك حياة كريمة؛ لأنه ربما لن يدوم، ولن تدوم معه تلك الحياة التي اخترتها. وهنا تكمن الحكمة والمغزى من هذا كله فإنك قد خُيرت واخترت ما تراه مناسبًا لنفسك.

لا أحد يمكن أن ينكر أنني أنا وأنت والجميع مسيرين فيما نحمل من مواصفات الميلاد والعائلة، فأدركنا منذ البداية أننا محكوم علينا بأجساد نمضي بها عددًا من الأعوام، نأكل ونشرب ونتزاوج ونتعارف ثم نموت. نتلقى منذ الصغر بعض المواعظ والعادات والتقاليد التي تبعت محل الميلاد والديانة والعرف وغيرها ففرضت علينا لتحدد الصواب والخطأ في داخلنا وفي جنبات أعماقنا، فعرفنا الخير بخط أبيض والشر بالخط الأسود والشيطان بلون أحمر. فتغذينا على أن الهرم هو البناء الأعظم، وأنه لا مكان أجمل من ذلك الذي ولدت فيه؛ فتوهمنا لفترة أنه لا أحد أعظم منا.

ثم لما كبرنا تغيرت المفاهيم والعادات والتقاليد التي شربناها منذ الصغر. وكلما قرأنا وارتحلنا ازددنا فضولًا. فرأينا أنه يمكنك أن تبدل المكان الذي تعيش فيه إن أردت، أو أن تغير لون شعرك أو حتى جنسك بالعديد والعديد من مستحضرات وعمليات التجميل، حتى أن اللغة التي تتحدثها وولدت عليها يمكنك أن تستغني عنها إن تعلمت غيرها متى أحببت. إننا وإن كنا كالديدان في الصغر لا حول لنا ولا قوة إلا ما يهبنا الله إياها، فإننا وعندما نكبر يمكننا أن نغير كل ما نحن عليه، ولكننا نظل بلا حول ولا قوة.

فيمكنك بالعمل أو بالغش بالاجتهاد أو بالحيلة أن تغير كل ما أنت عليه وأن تجعل كل ذلك العالم يتحاكى بك إلى أن يفنى. تستطيع أن تتناقش وتتحاور وتقرأ وتسافر وتحب من تشاء. كما يمكنك أن ترفض العالم ككل بكل عفوية وأن تعش على سجيتك، فيمكنك أن تبحث عن العلاج وأن تحارب المرض أو أن تستسلم وتموت في صمت، فهذا خيارك أنت.

تستطيع أن تغير هذا الكون الذي تعيش عليه كله بالإجمال إن توفرت لك السبل وبعض الإمكانات المادية أو أن تقبع في عالمك الصغير الذي تحيا فيه بلا هدف، فيمكنك أن تبنى أو أن تهدم متى شئت، يمكنك أن تنام وتستيقظ متى أردت، حتى أنه يمكنك أن تصلي وتصوم وتتعبد كيفما ووقت ما أحببت. يمكنك أن تحيا مثابرًا مجتهدًا باحثًا عن كل ما يمكنك فعله. أو أن تنهى حياتك في صورة بائسة متى رغبت. فالخيار خيارك أنت! لكن في المقابل عليك تحمل تبعات خياراتك.

ربما نكون مسيرين لا خيار لنا في بدايات الأشياء، لكن أنت سيد كل ما بعد ذلك وأنت ما يحدده. وكما يقول الراحل الدكتور مصطفى محمود: (خذ لنفسك طريقًا للموت قبل أن تفرض عليك الفرصة سبيلًا للحياة).

أنت تختار في كل يوم وساعة ولحظه تعيشها وهذا سبيل الأقوياء، أما الضعفاء فيتركون أنفسهم للصدفة تختار لهم. إن أصحاب الهمم يفكرون ويبدعون ويبتكرون لحظة بلحظة ويصنعون حيواتهم كاملة حتى اليوم الذي يموتون فيه.

تذكر أن الأكل ضرورى لحياتك، لكن بإمكانك ان ترفضه فأنت حر في خيارك، لكن حريتك تلك ستؤدي إلى هلاكك لا محالة. فإن امنتعت عن الأكل ستموت وتموت وتفنى معك تلك الحرية. فليس هناك قانون أعلى وأقوم من قانون حياتك نفسه. فلو أدركت معنى الحرية بحق ستعرف أنها أكبر عبء على كاهلنا، وأنها أعظم الأمانات التى حينما يظهر لك قدرها ستتمنى لو أنك لم تمتلكها وتذهب مغمض العينين إلى قدرك، لكن لا خوف ولا طموح بلا حرية، فتصبح الحياة بائسة لا أمل فيها ولا فضول، ولن نتساءل أبدًا ماذا غدًا لأننا سنصبح مجرد تروس في آلة كبيرة آمنت أننا نعيش بلا حرية. وكما يقول الشاعر: أسفي أن تخرج أجيالًا لا تفهم معنى الحرية، لا تملك سيفًا أو قلمًا، لا تحمل فكرًا وهوية.

أنت حُر بكل ما للكلمة من معنى، ولأنك حر فيجب عليك أن تستغل تلك الحرية لتجد أفضل القوانين والفرص التي تسير حياتك وتيسرها ومن خلالها  ذلك تحسن حالتك ومعيشتك ونفسك فتدرك بذلك عظمة وجودك. أتتذكر ذلك القول الشائع الذي يقول: (إن لم تحب مكانك فغيره فأنت لست شجرة)، والله إن من يقل ذلك المثل قد ظلم الشجرة، فنباتات الصحراء تطير حبوب لقاحها أميالًا بحثًا عن الماء في فرصة حياة لا تتجاوز الواحد من الألف، ومع هذا تطير بحثًا عن نقطة ماء. أما الغزالة فتستيقظ كل يوم مدركة بأنه عليها أن تجري أسرع من الأسد، وإلا أُكلت، والأسد يفكر في حيلة جديدة تمكنه من اللحاق بالغزالة، وإلا مات جوعًا. فلو أن الغزالة لم تخرج لما أكلت، لكنها لن تجد ما تأكله أيضًا. أما الأسد وهو سيد الغابة لو جلس متربعًا في عرينه في انتظار من يجلب له الطعام لمات جوعًا. لذا وجب السعي والاجتهاد. وأنت الإنسان الذي أخضع الله له كل شيء بما في الحياة من قوانين لا يمكنك أن تدرك حقيقتك؟

أنت حر وعقلك حر بروح وذراعين وعقل وعينين وقدمين يمكنك أن تقلب العالم رأسًا على عقب إن اخترت ذلك وعملت له.

أخيرًا وليس آخرًا فإن ما يحول الحياة إلى عبث هو ضياع الأخلاق وتناسي التاريخ وعدم الأخذ بالأسباب؛ لأن هذا هو إهدار للمسؤليات والمسؤولية العظمى هي الحرية، فبلا حرية واختيار يتحول الجميع إلى ملامح فقط لا تصلح لشيء. لو كان الغد مرصودًا بالكامل في لوح فما معنى السعي والإجتهاد والسهر والكفاح والسفر والمثابرة والتضحيات وإعمال الفكر. لو كان كل شيء مرصودًا لصارت كل تلك القيم كلمات فارغة لا معنى لها. أنت حر وحياتك أكبر مغامرة يمكنك أن تعيشها وأيامنا مجهولة نحددها بخياراتنا. أنت حر ولا شيء أو أحد يحدد مستقبلك غيرك أنت، فاسع ولا تنس تلك الأمانة العظيمة التي تقع على عاتقك الحرية.

كما أن الإمام الغزالي قد قال: إن الإنسان مُخير في ما يعلم، مُسير فما لا يعلم. أي أنه يزداد حرية كلما ازداد علمًا فتعلموا بالله عليكم لتتعرفوا على الله فإنه سبحانه وتعالى لا يُعرف إلا بالعلم.

دُمتم في نِعيم الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد