والله لو صاحب المرء جبريل .. لم يسلم المرء من قال وقيلا

قد قيل فى الله أقوالًا مصنفهً .. تتلى إذا رتل القرآن ترتيلا

قد قيل أن له ولدًا وصاحبهً .. زورًا عليه و بهتانًا وتضليلا

هذا قولهم فى الله خالقهم .. فكيف لو قيل فينا بعض ماقيلا

أود أن أتطرق في هذه المقالة لوباء ينتشر بشكل ينذر بالخطر في مجتمعنا؛ القيل والقال وإصدار الأحكام، حتى وإن كان هناك القليل جدًا من الأساس، فنحن نحكم ضد الناس فقط من الشكوك البسيطة أو التعليقات المنفردة، التي يولدها العديد من الأشخاص الحاقدين المحبطين الذين يشعرون بالارتياح من خلال التحدث بسوء عن الآخرين.

يسكن دعاة القيل والقال جميع سياقاتنا. يرتدون جلد الغنم ويتغذون على الشائعات بألسنتهم الحادة وكأن حياتهم تتوقف عليها. لديهم أيضًا عقلية القطيع تلك القادرة على إيجاد المتعة من خلال الاستمتاع بشرور الآخرين، وانتهاك الثقة ونسج المؤامرات.

في السابق كان الشرف أثمن ما يملكه الناس، وكانت خسارتهم له تعتبر غير قابلة للاسترداد فالشرف هو الشرف. في أيامنا هذه يبدو أن هذه المفاهيم قد عفا عنها الزمن، وما نقدمه لشبابنا هو مجتمع يمكن فيه شراء وبيع كل شيء، حيث تسود الرداءة وغياب القيم الأخلاقية.

بقدر ما قد تبدو هذه السلوكيات معاقبة، فإننا نتعامل مع نوع من السلوك النفسي كان موجودًا منذ بداية الزمن. النميمة جزء من جوهر الإنسان البيولوجية ككائنات اجتماعية كما نحن. هذا ما توضحه دراسة نشرت عام 2008 في مجلة «Scientific American». «ما لم تره عيناك ولا يخترعه فمك».

من جانبه طور «روبن دنبار»، عالم الأنثروبولوجيا البريطاني الشهير وعالم النفس وعلم الأحياء، نظرية تحدث فيها عن القيل والقال كأرض خصبة. ووفقًا له، بينما كان أسلافنا يعتنون ببعضهم البعض في مجموعاتهم الإجتماعية الصغيرة، فالآن بدأوا في تبادل المعلومات في سياق سري من أجل تعزيز الروابط.

أما عن خصائص تجار القيل والقال فقد عرّفه أبيقور «بأنه ليس ضروريًا في حياتنا، يمكننا أن نعيش حياتنا كلها دون نشر شائعة واحدة، أو الاهتمام بها، ولن يحدث شيء ولن نموت».

القيل والقال عمل إرهابي واتصال زائف، يعمل مثل السكين لأنه بلسانه يلقي القنبلة التي تدمر الآخر ويغادر. وه8و أيضًا شكل من أشكال «التواصل» يمكن أن يتراوح من النقد البسيط إلى اختراع قصة كاملة حول موضوع معين، فالتواصل بين الناس لا يتطور بالكلمات فحسب، بل بالإيماءات والمواقف، حتى مع الصمت والغياب؛ يتواصل مع كل ما تفعله وتقوله.

النميمة هي معلومات مشوهة لها دورة تشبه الشائعات. تولد كما لو كانت كائنات حية، تتطور وتنمو وتموت. يمكنها حتى التناسخ بحلة جديدة أو حتى بجسد جديد. وهي كل تعليق لا أساس له من الصحة من سلسلة من الأكاذيب أو المبالغات التي قد تضر بشخص واحد أو عدة أفراد، اعتمادًا على نية الشخص الذي ينتجها.

علاوة على ذلك، فإن الآلية البيولوجية التي تحفز فعل التجمهر مع بعضه البعض لتبادل المعلومات الداخلية حول شخص غائب تفسح المجال لتفاعل كيميائي شديد للغاية: يتم إطلاق السيسترون «هرمون السعادة»، وهذا ما يفسر سبب كون فعل نشر الشائعات يُشكل إدمانًا لدى بعض الأشخاص. بالنسبة لدعاة القيل والقال، فإن مشاركة النميمة تعني توحيد «نحن» لاستبعاد «هم». بهذه الطريقة، يتم بناء الشعور بالانتماء إلى مجموعة معينة، وهو سلوك شائع في العديد من سياقات العمل والمدرسة والعائلة. ومع ذلك يحتاج دعاة القيل والقال  إليها بطريقة ما، للتعويض عن خيبات أملهم، وفراغهم العاطفي ومضايقاتهم الشخصية. يمكننا القول إنها مثل التوابل لحياتهم، بدونها يشعرون أنه ليس لهم نكهة، وأن حياتهم مملة.

سلوك مريض يوفر لصاحبه الشعور بالأمان والثقة المؤقتة ليحصل على سلاح قوة ضد شخص ما، ويمكن أن تكون الأداة التي يتم إدارتها بشكل ما في لحظة معينة. كما يقول نيتشه، «هناك أناس بحاجة إلى رتبة ومكانة، ولا يترددون في تحقيقها من خلال آليات السمعة الأخلاقية».

وكما نعرف، النميمة تخلق «عقلية القطيع» لأن المشاركة في القيل والقال ثم نشرها في الاتجاهات الأربعة دون معرفة ما إذا كانت صحيحة، دون تطبيق أي تحليل أو تقييم ما إذا كان هذا الفعل جائزًا، تكوّن ذلك العقل المريض لشخص حسود يخترع شائعة، ونمّام ينشرها، وشخص ساذج يفترضها دون مقاومة.

فالسمة الرئيسة للقيل والقال هي الكذب، لكونها جزءًا من القذف والافتراء، وإذا أضفنا أن كل مستمع في وقت إخباره، يضيف القليل من الملح من حصاده، نجد وحوشًا غالبًا ما تدمر شرف وكرامة الناس. وهي أيضا سمة من سمات البشر والمجتمعات الصغيرة، فالافتقار إلى الأخلاق هو ما يجعل البعض يهتم بحياة الآخرين أكثر من اهتمامهم بحياتهم، الرياضة المفضلة للكثيرين. المثير للدهشة أنه في هذا النشاط البشري لا يوجد موقف واحد، وإنما هناك نوعان من المواقف البشرية التي تهدد التعايش السلمي والمحفز للناس: القيل والقال والأكاذيب، للبحث عن ترياق معين للحماية أو ترميم للدونية.

 القيل والقال صفة صادرة مما نسميه الثالوث المظلم «النرجسي، الأناني، والعدواني» هم أولئك الأشخاص الميكافيليون، الذين يسعون وراء أهدافهم بغض النظر عن الوسائل، ولديهم درجة عالية في السيكوباتية. يُفهم السيكوباتي على أنه عدم الاهتمام بالشخص الآخر. إنه أناني، يفعل ما يريد ويسمح لنفسه بفعل أي شيء. لا يشعر بالسوء عندما يسيء معاملة الآخرين أو يتلاعب بهم.

قد يعتقد بعض الناس أنه سيكون من الأسهل عليهم تحقيق غايات معينة إذا لفقوا الأكاذيب ونقلوها، لكن هذه طريقة خاطئة، لأنه عندما يتم اكتشاف الكذبة، فإن النتيجة المباشرة الأولى هي تدهور المصداقية والثقة. إذا كانت الأكاذيب هي النظام السائد في مجتمعنا، فمن هم الضحايا الأكثر شيوعًا؟

يسيء الكذابون إلى الأخلاق الحميدة التي يتمتع بها الناس عمومًا، ويميلون إلى اختيار ضحاياهم جيدًا، لا يبحثون عن شخص مثلهم، إنهم يختارون شخصًا حساسًا وعاطفيًا وكريمًا.. الفريسة السهلة، باختصار.

 في كثير من الحالات، يستند القذف إلى عبارات لا معنى لها، ولكن بمجرد النطق بها، فإنها تتسبب في ضرر يصعب إصلاحه. وإذا أردنا الاستفسار عن مصدر المعلومات، يجيبونك: «لقد سمعتها»، «قالوا لي»، «أخبرني أحد الأصدقاء». من الضروري إيقاف هذا النوع من السلوك ليتم إيقاف مروجي القيل والقال. السؤال هو كيف يتم تحقيق ذلك؟ حسنًا، فالتطبيق الأمثل قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ». صدق الله العظيم. أن نتبين قبل الحكم.

وهناك تطبيق آخر وهو الفلتر الثلاثي الذي يركز على التبين كما أمرنا الله، لكن بطريقة فلسفية. يقترح الفيلسوف والمعلم المشهور في أصل فن الخطابة وما نعرفه اليوم بالتدريب، مصفوفة مثيرة للاهتمام من الموارد الداخلية لمواجهة هذه المواقف فيما يُعرف بالفلتر الثلاثي لسقراط. يروي القصة أنه ذات يوم اقترب أحد معارفه منه قائلًا:

– هل تعلم ما سمعته عن صديق لك؟

نظر إليه سقراط وأجاب:

– انتظر: قبل أن تتحدث عن صديقي، سيكون من الجيد قضاء بضع دقائق في تحليل ما ستخبرني به بتطبيق الفلتر الثلاثي عن تلك المعلومات، وتابع:

– أول تلك المرشحات مرشح الحقيقة أخبرني: هل أنت متأكد تمامًا من صحة ما ستخبرني به عن صديقي؟

– قال الرجل: لا، في الواقع سمعته فقط.

– حسنًا، إذًا، أنت لا تعرف حقًا ما إذا كان ما ستخبرني به صحيحًا أم لا.

– المرشح الثاني مرشح الخير قل لي: هل هذا شيء جيد لي لتخبرني به؟

– لا بالعكس.

وأضاف سقراط: «إذا أتيت لتخبرني شيئا سيئًا عنه، لكنك لست متأكدًا من أنه صحيح». دعنا نر ما إذا كان ما أتيت لتخبرني به يمر بالمرشح الأخير.

-مرشح الفائدة قل لي: هل ما جئت لتخبرني به عن صديقي مفيد لي؟

– لا، ليس كذلك.

– اختتم سقراط – إذا كان ما أتيت لتخبرني به أنك لا تعرف ما إذا كان صحيحًا، فهذا ليس جيدًا وليس مفيدًا لي، إذًا فلا داعي لذلك، احتفظ به لنفسك.

في مجتمعنا رغم أن الله شبه النميمة بأكل لحم أخيك ميتًا ومع ذلك، يجتمعون على الطعام ويأكلون اللحم النيئ والطازج معًا. إنها جرثومة المضايقات في كل مكان، وتخلق مسافات لا يمكن التغلب عليها في تلك الأسلاك التي تتشكل فيها. عندما يصادف شخص ما ثرثرة، فمن الأفضل محاولة توضيح ما حدث والتمييز بين المعلومات الموثوقة والافتراضات، ومحاولة الالتزام بالهدوء، لأنه لا فائدة من التعايش مع الكرب والمرض بسبب شخص غير متوازن.

ومن الاستجابات التي من الجيد وضعها موضع التنفيذ لتجنب هذه الديناميكيات التي يؤثر فيها مقدمو النميمة الخاطئون ومروجو القيل والقال المدمرون على أية بيئة أن:

تمارس الفلتر الثلاثي في ​​حياتك، كن على دراية بأن كل الأشياء السلبية التي يمررها لك النمام يجب أن تمر عبره.

تذكر أن القيل والقال يمكن أن يجلب معلومات خاطئة أو ضررًا أخلاقيًا لشخص أو مجموعة من الأشخاص الذين هم في محتوى تلك النميمة. إن اختيار أن نكون مشاركين فيها يمكن أن يحولنا إلى دعاة ثرثرة، أو على العكس من ذلك، إلى درع حكيم لإيقافها.

كن حذرًا وبديهيًا عند تقديم ثقتك إلى شخص قريب منك. سيكون من الأفضل دائمًا ممارسة الحكمة الحكيمة والصمت الرصين، بدلًا عن الوقوع في شبكات تجار القيل والقال. فالأمن، والانفتاح، والصدق، والولاء، في علاقاتنا ركيزة أساسية للحفاظ على نمونا.

غالبًا ما يؤدي التعامل المستمر مع الكلمات السخيفة إلى إجهاد عاطفي كبير. وبالتالي لحماية أنفسنا وإطعام ذكاء آذاننا التي هي المفتاح الذي يدير به شخص ما واقعنا أو يضيع في التلميحات التي تشوه صورته فقط، خطوة أخرى نحو تشكيل درع واقي والحصول على آذان ذكية.

الأقاويل والأكاذيب لا تحرقنا أو تسممنا، من المحتمل أن نجد أنفسنا في أكثر من مناسبة مع هذا الموقف غير المرغوب فيه، يجب أن نفهم على أنها فرصة للنمو كأشخاص واختيار أفضل للأشخاص الذين نحيط أنفسنا بهم. الحقيقة حتى لو كانت مؤلمة هي شيء نفضله جميعًا ونحتاجه في نفس الوقت. إنها الطريقة الوحيدة التي يمكننا من خلالها المضي قدمًا وتوحيد الجهود لنشر الاستراتيجيات النفسية المناسبة لقلب الصفحة. كن الطائر الجاثم على الشجرة الذي لا يخشى أبدًا أن ينكسر الغصن، لأن ثقته ليست في الغصن إن لم يكن على جناحيه.

كل واحد منا فريد واستثنائي، كل شيء له حدود، ليس لك الحق في التعليق لأنك لا تعرف هذه القضايا مثل صاحبها. لتعيش حياة ذات مغزى أكبر، توقف عن التدخل بحياة الآخرين والبدء في القلق بشأن حياتك. كن أكثر إخلاصًا عندما تتحدث إلى الناس، وأكثر تسامحًا عندما تتحدث عنهم. وأن تدرك أن ما هو مهم حقًا هو أنت، من المفارقات أن الشخص الواثق من نفسه والهام هو الشخص الذي يترك بصمة حقيقية. كم من الشرور والآلام والاستياء سنتجنبها إذا تحدثنا بصدق!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد