بعد مرحلة طويلة من السبات التي دخلت فيها غوطة دمشق، وما تلاها من تجميد الجبهات ودخول الفصائل في حالة من التنافس وفرض السيطرة، حتى انحرف مسار الأولويات من العمل العسكري المنظم والموجه إلى صدر النظام السوري، لينتقل إلى بناء المؤسسات والتنافس عليها والقتال على إدارة المعابر، وكأن نظام دمشق قد سقط وبدأ ببناء سوريا الجديدة، متناسين أن الغوطة لازالت محاصرة تعاني مرارة ظلم الأسد وجرائمه، ويتجلى مظهر النزاع بين الفصائل من خلال كثرة الحواجز في شوارع غوطة دمشق، وتحريك الآليات والأرتال العسكرية، والتراشق الإعلامي بالبيانات والاتهامات المتبادلة على مواقع التواصل، ثم رجع وعاد التآلف بين الفصائل، وعادت الأولويات لمسارها الصحيح، في صد قوات النظام، ووضع إمكانيات الفصائل للأعمال العسكرية التي تحسم المعركة مع نظام الأسد، وتوحدت الجهود وعاد العمل المشترك وبدأ الحسم.

 

موقف ثوار غوطة دمشق

لهيب غوطة دمشق نصرة للزبداني، يأكل الأخضر واليابس فيحصد العشرات من قوات النظام ويحرق آلياتهم وعتادهم، حيث قالت تنسيقيات وشبكات إعلامية في الغوطة: في الخامس عشر من أغسطس/آب الماضي بدأ ثوار الغوطة الشرقية معركة نصرة الزبداني في مدينة حرستا عند إدارة المركبات، عبر نفق تم حفره مسبقا يصل الخطوط الخلفية لقوات النظام في حيي العجمي وحمامة ومنطقة الكوع، بحرستا وباغتوا جنود الأسد فقتلوا العشرات منهم ودمروا آلياتهم.

 

من جهته قال مصدر خاص:  إن أهمية المعركة تكمن عند إظهار ضعف قوات النظام التي هربت دون مقاومة تذكر وعودة الروح المعنوية للمقاتلين على أرض الغوطة والتأسيس لمرحلة جديدة بين الفصائل لخوض أعمال عسكرية ضد النظام والتلاحم بين المجاهدين والحاضنة الشعبية الذي هو من أهم عوامل الانتصار على الأسد وزبانيته.

 

وأضاف المصدر: إن الهدف من المعركة هو السيطرة على إدارة المركبات في حرستا والواقعة بين عربين مديرا وحرستا والتي تعتبر أكبر قطعة عسكرية في غوطة دمشق، ومنها يقصف النظام المدنيين بالهاون والصواريخ، ومع الهجوم الذي فاجأنا به قوات النظام استطعنا السيطرة على ثلاثة مواقع هامة لكونها تطل على الإدارة، والسيطرة على حيي العجمي وحمامة ومنطقة الكوع والمركز الثقافي والمخفر، أي أكثر من ثلاثمائة مبنى سكني.

 

وأشار المصدر: إن حي العجمي مطل على طريق إمداد دمشق بالأرتال العسكرية والعتاد من على الأوتستراد الدولي القادمة من غرب حمص عند مدينة “تلكلخ” المحاذية للحدود اللبنانية، بعد قطع ثوار الزبداني للطريق على قوات النظام، فتم تدمير عدة دبابات من طراز T72 وt82  وعربات BMB وناقلات جند على الأوتستراد.

 

موقف النظام السوري

سعينا لتبين رأي الطرف الآخر من المعركة، وتواصلنا مع أحد المقربين من رأس السلطة في سوريا، والملمين بالتطورات الميدانية فقال لنا “إن المعارك والمواجهات فعلا مستمرة في حرستا منذ أكثر من عشرون يوم، وهي ليست عبارة عن مناوشات كما في بعض المناطق الأخرى بل معارك حقيقية”، مُذكرا أن “المسلحين كان لديهم الوقت الكافي للتحصن والحفر والإعداد، حيث كانت حرستا من أولى المناطق التي خرجت عن سيطرة النظام”، وهنا يفسر لنا مصدرنا “فعلا النظام السوري أهمل نوعا ما حرستا لأن تركيزه كان على تأمين ثلاثة محاور حيوية له ألا وهي طرقات دمشق-درعا، دمشق-بيروت ودمشق-حمص وكلها باتت مؤمنة اليوم بنسبة كبيرة، إلا أن خط دمشق-حمص تم سحب قوات منه إلى حي جوبر المحاذي لساحة العباسيين وسط دمشق، بسبب النقص الكبير في أعداد المقاتلين”.

تفسيرا للتركيز على إدارة المركبات أكثر من غيرها طيلة الأشهر الماضية، يقول لنا مصدرنا إن “النظام كان يجب عليه أن يجد حلا عسكريا لحرستا لأنها كانت مصدر قلق أمني مباشر على دمشق التي سعى ويسعى الجيش السوري أن يؤمنها بإطار 20 كلم من كافة النواحي، ذلك لأنه من الناحية العسكرية البحتة إن تمكن النظام من تأمين هذا الإطار سيتوقف قصف الموقع الأمنية بدمشق بمدافع الهاون من قبل المسلحين، ذلك فضلا عن أن هذا النوع من القصف العشوائي تصعب مكافحته فيكفي أن يتواجد ثلاثة أشخاص مع مدفع هاون عيار 81 ملم لقصف العاصمة قبل أن ينسحبوا مع مدفعهم بفترة لا تتعدى العشر دقائق”، ذلك قبل أن يضيف أن “العاصمة السورية مؤمنة اليوم من ناحية الريف الشمالي كما من ناحية الريف الغربي أي القلمون، والزبداني لها وضع خاص حتى الساعة بين انشغال بالمعارك أو هدن مؤقتة”، مضيفًا أنه “حرستا تطل على خط أوتستراد دمشق-حمص لذلك تم توقيع هدنة مؤقتة فيها لتأمين هذا الخط من الإشتباكات مع المسلحين  حتى ولو سيطر المسلحين على كامل حرستا، وجب عليهم أن يسيطروا على خط الأوتستراد كي نعتبر أن المعركة انتهت لصالحهم”.

أسلوب المعركة

أسلوب حرب العصابات الذي يعتمده الثوار يسمح لهم بتحقيق بعض المكاسب، إذ أحرزوا تقدّمًا خلال المعارك الأخيرة عند إدارة المركبات وحرستا، أبرز مثال على ذلك هو انتقال المعارك من إدارة المركبات إلى أماكن داخل حرستا بين الأبنية السكنية الفارغة من المدنيين بعد تمركز قوى النظام فيها، هذه المعركة بدأت بعد أن عمدت قوات النظام إلى شن هجوم على حي جوبر للسيطرة عليه، وهو يعتبر نقطة إستراتيجية لقربه من وسط دمشق، فتم نقل المعركة لحرستا للضغط على النظام.

الخلاصة أن هناك عمليات مكثّفة من الكرّ والفرّ، أقلع الثوار عن فكرة التمركز، بل اعتمدوا أسلوب المقاومة والتقدم للسيطرة، لذلك أصبح الهجوم المسلّح على قوات النظام على شكل ضربات متنقّلة، هي حرب استنزاف يعانيها النظام وتحبط معنويات مقاتليه، انتصارات ذهبت وحلّ استنزاف الأرواح ومقدّرات المقاتلين، الذين يحارَبون بالطريقة التي كانوا يحارِبون بها.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد