كما كان مُبرمجًا، صادق ممثلو الشعب على مخطط عمل حكومة الوزير الأول أحمد أويحيى بأغلبية ساحقة، كيف لا؟ والبرلمان بغرفتيه مُفصل ومُهيكل كما تحب السُلطة وتشتهي، فلم يعد للبرلمان أي سلطة في حين صار للسلطة برلمان، ولا غرابة على برلمان مكون من أغلبية موالية (موالاة عمياء) وأقلية مُعارِضة أن يصادق على مخطط عمل أجمع الخبراء على عدم جدواه وأنه سيلحق الأذى بالاقتصاد الوطني ويضرب القدرة الشرائية للمواطن في الصميم، كما أنه سيرهن السيادة الوطنية عما قريب، في حين أجمع الوزراء والنواب على أنه سبيل الخلاص الوحيد من أزمة اقتصادية باتت أمرًا واقعًا.

فها هي صفارات الإنذار تنطلق من دواليب صنع القرار في الجزائر إيذانًا بسنوات عجاف ستضرب البلاد وتشد الحزام على العباد، بعد أن سبقتها بسنوات صفارات إنذار مبكر قيل حينها إنها مجرد أبواق مأجورة لا ينبغي الالتفات لها لأن الجزائر بخير، غير أن هول الأزمة الاقتصادية قوبل بحلول سياسية مؤقتة تضمنها برنامج عمل حكومة يرأسها خريج المدرسة العليا للإدارة، الذي تلقى خلال فترة تكوينه الأكاديمي دروسًا ومحاضرات في الاقتصاد وتطبيقاته، ولو أنه استوعب تلك الدروس وفهمها حقًا لما خرج علينا بمخطط عمل يضرب كل قواعد الإدارة وقوانين الاقتصاد عرض الحائط، متجاهلًا تحذيرات الخبراء.

وبعيدًا عن تعقيدِ تشخيص الخبراء وتحليلاتهم وتضليل الوزراء ومغالطاتهم، نجمل فيما يلي أهم ما جاء به برنامج عمل حكومة الوزير الأول أحمد أويحيى المستمد أساسًا من «وصية» الرئيس! مع تحليل موجز يبرز أبعاد وتداعيات ما تضمنه المخطط من إجراءات وما صحبه من تصريحات ومغالطات.

حق لا مَكرُمة

لم تخل لهجة الوزير الأول أحمد أويحيى من نبرة المن والأذى، أثناء عرضه مخطط عمل حكومته على البرلمان إذ راح يمن على الشعب ويذكره بالنعم التي جاء بها برنامج رئيس الجمهورية الذي أخرج البلاد من الظلمات إلى النور، وأطعم شعبها من جوع وآمنه من خوف، بنى لهم المدارس والجامعات وهيأ لهم المستشفيات وعبد لهم الطرقات، وشيد لهم السكنات، ووفر لهم مناصب الشغل ولم يُبقِ في البلاد جائعًا أو محرومًا.

متناسيًا حقيقة أن تلك الحقوق للشعب لا يحرمه منها إلا ظالم، وأن على الحكومات أن تضمن لمواطنيها عيشًا كريمًا غير مشكورة (هذا إن افترضنا جدلًا أن ما ادعاه الوزير الأول صحيح) ثم إن ما يمن به على شعبه هو بعضُ حقٍ جاءه من ريعِ خيرات بلده ولم يكن لحكومته الموقرة أي يد فيها أو فضلٍ من سياسة رشيدة «والله يرحم المال لي كان يسير لبلاد».

تناقضات هدمت البنية الدرامية للعرض.. ولم تحترم عقولنا

يبدو أن سنين الخبرة الطويلة لم تشفع للوزير الأول السيد أحمد أويحيى ولم تمنعه من الوقوع في فخ التناقضات، فبينما هو يحدث الجمع عن محاسن برنامج الرئيس ويحثهم على الالتفاف حوله، إذ إننا انطلقنا من حيث انطلق بنا برنامج الرئيس ونحن اليوم حيث أوصلنا برنامج الرئيس، وفجأة ودون أي مقدمات يعترف الرجل بأن الوضع الاقتصادي للبلاد صعب وأننا أمام أزمة حقيقية وسنين عجاف، ليقع الوزير الأول في فخ الدعاية العكسية لما كان يروج له ويدعو الناس لدعمه والالتفاف حوله.

ولم ينتهِ الأمر عند هذا الحد فراح يعقد المقارنات بنبرة اصطفائية لا تخلو من لغة التسطيح والاستغباء قائلًا إن الجزائر خير من أمريكا، ولم يخبرنا الرجل عن المعايير التي اعتمدها في مفاضلته بين الدول، وفي سياق التناقضات ذاته أنكر الرجل بداية انهيار الدينار الجزائري مخالفًا بذلك كل مؤشرات الصرف الحقيقية في إمبراطورية «السكوار» التي لا تبعد عن مقر البرلمان إلا بضع خطوات.

أما عن اقتصادنا الداخلي فقد قال عنه الوزير إنه متنوع وأن المشكلة التي تواجهنا هي مشكلة توفير مداخيل بالعملة الصعبة! إن كان الأمر كما تدعي فلماذا نستورد كل شيء؟ بل لماذا لا نصدر ما دام اقتصادنا متنوعًا؟ وبهذا نحل مشاكلنا ونوفر مداخيل بالعملة الصعبة، كما أن سد العجز في الميزان التجاري وميزان المدفوعات في ظل الوضع الاقتصادي الراهن ووفق الإجراءات المتخذة من قبل الحكومة يستلزم بالضرورة خفض ميزانية التسيير، وهو الأمر الذي أنكره الوزير الأول جملة وتفصيلًا مؤكدًا أن ميزانية التسيير ستبقى على حالها وكذلك هو الحال بالنسبة لمشاريع الإسكان التي وعد الوزير الأول بأنها لن تتوقف وأنها سَتُسلم في الآجال المحددة، ضاربًا بذلك كل قواعد علم الاقتصاد عرض الحائط، وعلينا هنا أن نشير أن الوفاء بهذا الوعد يخلق أزمة تُضاف إلى الأزمة وعدم الوفاء به سيتسبب بكارثة والله المستعان.

دروس مبسطة في الاقتصاد للعامة.. ولا بأس أن يستفيد منها النواب والحكومة

طباعة الأوراق المالية دون تغطية ليس حلًا لأن طباعة النقود في البلدان التي تحكمها أنظمة مسؤولة لا يكون إلا بقدر ما يقابلها من احتياطي الذهب (وهذا هو الأصل والأصح)، أو بحسب قوة الاقتصاد وما يقابلها من إنتاج حقيقي للسلع والخدمات، أو بحسب احتياطي النقد الأجنبي المتوفر، والخروج عن هذه الأطر والقواعد لا يكون إلا ضمن قوانين صارمة وإلا تحولت العملية إلى تزوير للعملة باسم القانون، وسيساهم هذا الإجراء في رفع الأسعار وانهيار الدينار، كما سيساهم على المدى المتوسط في رفع نسب البطالة، لتتحول الأزمة من اقتصادية إلى أزمة اجتماعية تُحيل إلى تطورات خطيرة مفتوحة على كل الاحتمالات.

وطبع النقود دون تغطية إجراء ساذج سيخلق العديد من الأزمات زيادة إلى ما نُعانيه، فمستويات التضخم عندنا مرتفعة أصلًا وهذا الإجراء سيجعلها ترتفع أكثر، زد على ذلك فالحصة الأكبر من حجم السيولة متداولة خارج القنوات الرسمية، وأي إصدار بهذا الشكل ستمتصه السوق الموازية ما سيزيد الطين بلة، ولتفادي هذا المآل يجمع الخبراء أن الاعتماد على الصيرفة الإسلامية وكذا تغيير العملة من شأنه أن يمتص السيولة من السوق الموازية ليضخها في القنوات الرسمية تمهيدًا لخلق استثمارات وإنشاء مؤسسات اقتصادية منتجة، بالإضافة إلى استرجاع القروض الضائعة، والاعتماد على الجباية، بدل اللجوء إلى الحلول السهلة وتبريرها بحجج واهية.

وبقي أن نشير إلى أن تجاوز هذه الأزمة لا يكون إلا بتوفر إرادة سياسية حقيقية تعطي الحلول الاقتصادية الأولوية والأسبقية، بعيدًا عن المقاربات السياسية والأمنية المعتمدة، وعلى السلطة أن تدرك حجم التحول الحاصل في الوعي الجمعي للمجتمع الجزائري، وأن خطابات التخوين والتخويف والتسطيح والاستغباء لم تعد صالحة مع أبناء هذا الجيل المنفتح على العالم ومعارفه فاحذروا!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

: سياسة, إقتصاد, و
عرض التعليقات
تحميل المزيد