تُشكّل حكومات الوحدة الوطنية؛ سمة من سمات إدارة السياسة، في مرحلة ما بعد الحرب الأهلية، ودسترة اتفاق الطائف.

يتفرد النظام السياسي اللبناني من الأساس بصيغة مركبة، فهو نظام جمهوري ديمقراطي من حيث الشكل، لكنه في المقابل نظام توافقي بين الطوائف، تتوزع فيه المناصب الأساسية بمقتضى العرف.

لقد تشكلت حكومات لبنان منذ قيامه، منذ أكتر من 75 عامًا على فكرة الائتلاف؛ وذلك بسبب طبيعة التكوين الطائفي للسلطة في لبنان، وهذا ينعكس على تشكّل الأحزاب السياسية، فلا يمكن لحزب أن يشكل حكومة بمفرده، بل يفترض تشكيل السلطة دائمًا ائتلافات متنوعة، تضمن الميثاقية الطائفية خاصة بين الطوائف الكبار (المسيحيين والشيعة والسنة والدروز).

بعد عام 2005، عام اغتيال الرئيس الشهيد «رفيق الحريري»؛ تحولت الحكومات إلى حكومات ربط نزاع بين أطراف متنافرة سياسيًّا، لا تملك مشروعًا واحدًا، ولا نظرة واحدة إلى مستقبل البلد، لقد انعكس الانقسام السياسي داخل الحكومات المتعاقبة، سندًا للانقسام الشهير بين قوى الثامن، وقوى الرابع عشر من مارس (آذار)، إلى وضع صراع منذ اندلاع الحرب السورية.

بعد انتخاب الرئيس «عون» لرئاسة الجمهورية عام 2016، جرى تشكيل أول حكومة تعكس طبيعة التسوية الرئاسية، في ظل حصص وازنة للتيار الوطني الحر، وتيار المستقبل، والقوات اللبنانية، وثبات الحصص الشيعية والدرزية.

رئيس الجمهورية لم يفتأ يردد أن الحكومة الأولى لم تكن حكومة العهد الموعودة، بل إن حكومة العهد الأولى سوف تكون حكومة ما بعد الانتخابات.

صحيح أن حكومة عام 2016 قد عكست بشكل وازن أحجام أطراف التسوية الرئاسية، ولكن هؤلاء الأطراف لم يعملوا بوحي من هذه التسوية، وجنح بعض أطراف التسوية إلى السعي لإسقاط الحكومة، بوصفها حكومة تغطية لحزب الله، وشن حرب غير مباشرة على العهد؛ من خلال اتهام الفريق السياسي للعهد بالفساد، وبشكل شبه حصري، وكذا فعلت أطراف مسيحية وإسلامية ممثلة في الحكومة، وإن لم تكن ضمن أطراف التسوية الرئاسية.

يبقى الموقف من العهد، سلبًا أو إيجابًا، حقًا مقدسًا لأي طرف سياسي، كما تبقى الشعارات السياسية في الحملات، والتي استهدفت الفريق السياسي للعهد حصر حق آخر.

للمزيد حول هذه الشعارات يمكن قراءة مقالي على «ساسة بوست» والمعنون: من
مسيلمة إلى غوبلز إلى انتخابات لبنان.

إذا كان لبنان محكومًا بالحكومات الائتلافية، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أن تكون هذه الحكومات حكومات فضفاضة، أو حكومات الوحدة الوطنية القائمة على المحاصصة، التي تحول مجلس الوزراء إلى شكل من أشكال مجلس الأمن الدولي ولكن دون فعالية.

الحكومة المقبلة محكومة بأن تكون حكومة منتجة ومتضامنة حتى آخر يوم من حياتها، البلد محكومة بمكافحة (غير شعبوية) للفساد، وبإجراءات جذرية ومؤلمة، لعكس اتجاه الأزمة الاقتصادية والمالية والنقدية، البلد محكومة بالحفاظ على مناعته السياسية في ظرف دولي وإقليمي شديد التوتر، ويمكن أن يأخذ لبنان إلى ما لا تحمد عقباه.

الحكومة المقبلة يجب أن تكون ائتلافية، ولكن ليس إلى درجة أن تكون حكومة فضفاضة، وحكومة تقاسم حصص.

ليس مهمًا حجم الحصص الحزبية في الحكومة، الأهم المسئولية المشتركة، ووقف لعب دور المزدوج بين الحكومة والمعارضة، والمقصود هنا أكثر من طرف مسيحي وإسلامي على حد سواء، من لا يريد الدخول في الحكومة، محاججًا فيما يريد، ولكن متضامنًا على مشروع حكومي موحد، فالمعارضة أيضًا خيار سياسي كبير.

إن العودة إلى مكونات حكومية تعتمد تكتيك «نصف معارضة- نصف موالاة» والتي تصطرع على الشاشات، وفي الشارع، عند كل مسألة وكل مفترق، هي الآن خطر حقيقي على العهد، وعلى البلد الذي يقف على مفترقات كبرى.

كونوا في الموالاة؛ لنكافئكم أو نحاسبكم، أو كونوا في المعارضة لنكافئكم أو نحاسبكم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد