لم يكن وصول الرجل الأول في المؤسسة العسكرية المصرية إلى منصب الرئيس في مصر صدفة، فعمليًّا لا يمكن الوصول إلى هذا المنصب دون قبول من قيادة المؤسسة العسكرية منذ إعلان الجمهورية في مصر عام 1953، اللافت أن وصول السيسي للمنصب لم يمر عبر عملية ذات بعد سياسي، فقط حالة الضرورة كما وصل الرؤساء الأربعة الأوائل، كذلك لم يكن جسر الوصول ذا شرعية انتخابية تحققت بعد انتخابات بدت تعددية رعاها الجيش أيضًا كما حالة الرئيس المعزول محمد مرسي، وإنما وصل السيسي عبر عملية حشد وتعبئة تصرفت فيها المؤسسة العسكرية لأول مرة وكأنها كتلة سياسية لها مرشح ورؤية عامة لا يمكن وصفها بالبرنامج أو المشروع السياسي، ودون الحد الأدنى من الوعود الانتخابية، وإنما بقاموس ذي بعد شوفيني، مفاده أننا نواجه أزمة وقيادة الجيش هي الأكثر احترافًا ووطنية لتكون الأقدر والأحق بصيانة وحماية الدولة وفق منظومة جمهورية يوليو.

أسست حالة التعبئة التي صعدت بالسيسي من منصب الرجل الأول على مستوى الجيش إلى الرجل الأول على مستوى الدولة، لنمط جديد من الهيمنة العسكرية على الدولة المصرية، وبعيدًا عن مشاهد التشابه بين الوضع الحالي في مصر ومشاهد الانقلابات التركية الكلاسيكية في زمن الحرب الباردة، إلا أن المسئولية الناتجة عن هذا التحول في سلوك المؤسسة العسكرية، يخلق بالضرورة مستوى جديدًا من الالتزامات والتحديات التي تواجه جمهورية يوليو بأكملها، وعلى رأسها هيمنة المؤسسة العسكرية على مفاصل الحكم المحلي، ولعلها الفرصة الأخيرة لها لإثبات نجاعة عقدها الاجتماعي القائم على الدعم الاقتصادي للفئات الفقيرة والمتوسطة الفقر، مقابل الموقع المميز للمؤسسة العسكرية وأفرادها، ومصادرة الحريات السياسية والاقتصادية للمواطنين.

المفارقة الموضوعية في المشهد الحالي والتي تصنع الفارق بين كل الحقب السابقة لرؤساء جمهورية يوليو، هو أن وحدها الأزمات أو ما أسميه بـ “شرعية الأزمة” باتت هي الصانع الأول، وربما الوحيد لشرعية الحكم، ولوضعية الهيمنة الجديدة على مجريات الأمور في مصر، فمن الأزمة يمكنك اصطناع مبررات مشروعية مواجهتها وبالتالي مشروعية التسلط والهيمنة، خاصة في ظل رفع حالة التعبئة والحشد نحو حلول الضرورة الأحادية.

منذ عام 2011 والسلطة في مصر تعاني عمليًّا من جملة من الأزمات الداخلية نتيجة الاضطراب السياسي الذي نجم عن انتفاضة يناير، قدمت السلطة الجديدة آنذاك بعض التنازلات فيما يتعلق بممارسة حرية الرأي والتعبير، لكنها قرنتها أيضًا بجملة من السياسات المقيدة لحرية التنظيم السياسي، وتقارب أكبر مع تيارات الإسلام السياسي، فضلاً عن تراجع متعمد عن ضبط الأمن العام والتحجج الدائم بأن التظاهر يقيد قدرات جهاز الأمن، ولا يمكن تفسير تلك الإجراءات اليوم إلا بأنها كانت خديعة استراتيجية للجميع، من أجل الالتفاف على مطالب الإصلاح الديمقراطي والحفاظ على المعادلة التاريخية للسلطة في مصر منذ تأسيس جمهورية يوليو، وربما الأوضح اليوم أن جميع التيارات قد ابتلعت طعم الخديعة، ولم يكن وصول السيسي نحو المنصب الأول إلا حصادًا أولاً لخطة مواجهة الأزمة الذي قادته مؤسسات السلطة التقليدية في مصر خلال 30 شهرًا.

ربما لم تكن الخطة بهذا الاحتراف وبهذا الكم من المنهجية، وربما ساعدت الظروف الإقليمية على تمهيد الطريق للسلطة الحالية، لكن الثابت أيضًا أن طرفي المعادلة سواء السلطة أو المعارضة، لم يكن لديهما رغبة جادة في تغيير حقيقي في بنية الهيكل السياسي والاقتصادي المصري، فأطياف المعارضة كانوا دون الكفاءة ودون مستوى الحدث، وأثبت جميعهم أن مستوى طموحهم لا يتعدى رغبة في الشراكة الجزئية مع السلطة التقليدية، فقط استبدال نخبة جديدة أو حزب أو جماعة جديدة بمبارك وبنخبته.

عندما نراجع المشهد المصري وكأنه خط زمني خلال الأعوام الثلاث الفائتة، نجد أن شرعية الأزمة كانت ولا زالت هي البديل لشرعية الإنجاز السياسي والاقتصادي والاجتماعي، شرعية الأزمة تمنح الطرف المهمين القدرة على الحشد وعلى التملص من الالتزامات القانونية والدستورية، كذلك تمنحه فرصة الهجوم المنظم على المعارضين، خاصة في دولة ذات بنية سياسية هشة وسيطرة للدولة على مؤسسات الإعلام والدين، وضعف منهجي في منظومة العدالة القانونية والدستورية.

أوجدت “شرعية الأزمة” مخرجًا للسلطة في العديد من القضايا ذات البعد المحلي، فالهجوم على السفارات الأجنبية، الهجوم على منظمات المجتمع المدني الغربية والمحلية، تصاعد الأزمات الطائفية والهجوم على الكنائس وممتلكات الأقباط، المواجهات بين قوات الشرطة والجيش من ناحية والمتظاهرين من ناحية أخرى، الفوضى الأمنية ثم الإرهاب المنظم في سيناء سواء تجاه المنشئات المدنية أو العسكرية أو البنى التحتية، كلها أزمات منحت السلطة المهيمنة أوراقـًا أكثر على طاولة العملية السياسية ورسخت “شرعية الأزمة” كأساس للتعامل مع كافة القضايا، فضلاً عن تواطؤ طرفي المعارضة في مغازلة السلطة، فالخطاب الداعم للأداء السياسي والإعلامي لقيادة المؤسسة العسكرية، انتقل بين طرفي المعارضة بسذاجة شديدة، الإخوان المسلمين منذ فبراير 2011 وحتى الثلاثين من يونيو 2013، ثم المعارضة الحزبية المدنية بمعظم أطيافها بعد الثالث من يوليو 2013.

حتى أثناء حكم الرئيس المعزول محمد مرسي، فقد كانت محاولات استرضاء قيادة القوات المسلحة بكل السبل وسيلة لمنح الإخوان المسلمين القدرة على سحق معارضيهم، وحتى بعد عزل مرسي، فأداء أنصاره الذي تميز بالعنف والتحريض بل وتأييد الإرهاب أحيانـًا، ثم رفض قيادات الجماعة الدائم لأي تفاوض أو تسوية، ثم الفض الدموي لاعتصامي رابعة والنهضة وما تبعه من عنف وعنف مضاد بين أنصار جماعة الإخوان والدولة، منح السلطة شرعية لتطويع تلك الممارسات بالحشد والتعبئة إلى نقاط قوة دعمتها في معركتها من أجل استعادة السلطة تحت شعارات الضرورة ومخاوف الحرب الأهلية ومجابهة الإرهاب.

واحد من أهم أوراق السيسي كرئيس للجمهورية هو “المشروع القومي” وبالأصح مشروع محور قناة السويس، فعلى الرغم من الدعاية الواسعة للمشروع باعتباره الحل السحري لكل مشاكل مصر وأبرزها الفقر، نجد أن خطاب السيسي للداخل والخارج ما زال يضع “شرعية الأزمة” في المقدمة، فالأولوية للحرب الإرهاب وإنقاذ الدولة من المخاطر الخارجية، خاصة في ظل تدهور الوضع الليبي، والصعود السريع لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا، والتهديدات التي تواجه لبنان، ثم الاضطرابات جنوبًا في اليمن.

جاءت أزمة حرب غزة الأخيرة والأداء المصري الجيد في رعاية الهدنة طويلة الأمد بين إسرائيل وحماس، لتمنح السيسي رصيدًا جيدًا في واشنطن وبروكسل في إطار “شرعية الأزمة”، فضلاً عن المواقف المصرية الإيجابية تجاه الأزمات الإقليمية كصعود داعش في العراق والحياد تجاه الأزمة السورية الذي يضع النظام المصري في موضع الوسيط وليس كطرف في الأزمة، وتأييد التدخل الدولي السريع لإنقاذ الوضع في ليبيا، كل هذا سرع من صفقة طائرات الأباتشي، ومنح السيسي قبولاً دوليًّا وصل إلى حد وصفه بقائد للتحول الديمقراطي من قبل نائبة المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأمريكية، وربما يجمع السيسي مزيدًا من الأوراق إذا اكتملت المصالحة الخليجية وتوسعت لتشمل مصالحة مصرية قطرية.

 

تكمن المعضلة هنا في أن نجاحات السياسة الخارجية المصرية دائمًا ما كانت رصيدًا للأنظمة المتعاقبة، تحوله في الداخل إلى مزيد من التسلط وانتهاك الحقوق والحريات، فانفراد السيسي بالسلطة دون أية مؤسسات رقابية منتخبة واقع، والمكاسب الضئيلة التي حصدتها المعارضة بعيد انتفاضة يناير في تآكل مستمر، ولا تزال الانتخابات البرلمانية في مصير مجهول، ولا يتوقع أحد من المراقبين برلمانـًا معارضًا للرئيس في ظل حالة الحشد والتعبئة ضد المعارضة بكافة أطيافها كجزء من ثقافة الأزمة، فضلاً عن الحصار المستمر على المجتمع المدني.

ربما ما تزال لحظة الاختبار الحقيقية لمدى قوة معسكر المعارضة الديمقراطية بعيدة، فهي اليوم أمام أكثر لحظاتها صعوبة منذ عشر سنوات مع بدء موجات المطالبات الإصلاحية عقب التدخل الأمريكي في العراق، ولربما نسأل سؤالاً أصعب، هل حقـًّا تحطم مشروع الديمقراطية في الشرق الأوسط على صخور الإرهاب والتسلط التقليدي العربي؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد