مشكلة ليبيا أعمق بكثير من وجود نظام القذافي أو نظام إدريس السنوسي بل تعود جذورها إليالاستقلال

مشكلة ليبيا أعمق بكثير من وجود نظام القذافي أو نظام إدريس السنوسي من عدمه، هي أزمة المنظومة القبلية والتي بنيت عليها منذ الاستقلال وحتى يومنا هذا، هذه المنظومة تحورت لاحقًا إلى ما يعرف بـ(القيادات الشعبية الاجتماعية)، إلى حساسية إطلاق صفة زعماء القبائل، والتي لا تنطبق حقيقة علي هذه المنظومة الهشة والفضفاضة، والتي تسيطر علي ليبيا والليبيين عبر ثقافة الغنيمة، والتي تجاوزتها بنجاح دول شقيقة تركيبتها قبلية ولم تتخل عن أصالتها وثقافتها.

ما يجري في ليبيا دليل عدم وجود دولة حقيقية، وحجم المعاناة التي يكابدها المواطن الليبي يوميًا تثبت انتفاء وجود الدولة، وهذا يمنح شهادة وفاة لهذه المنظومة الحاكمة (الإدارة السياسية)، والتي لم تستطع أن تبني دولـة بعد أكثر من ستة عقود تقريبًا.

المحاصصة السياسة (قيادات اجتماعية) هي التي أنتجت لنا وزراء وحكومات عقيمة وفاشلة (بعيدًا عن الشخصنة) يتم اختيارها عبر محاصصات جهوية، لا كفاءات وقدرات، بل كولاية يفضل أن يحمل مرشحوهم وسام (دكتور) كعادة الوزراء في دول العالم الثالث.

هذه الحكومات لم توفر أساسيات الحياة اليومية البسيطة، فجعلونا نعتقد أن توفر الكهرباء والماء والخبز والسيولة من الخوارق والمعجزات، لخير دليل علي الفشل في (إدارة) قطاع التعليم (وزارة التعليم) منذ الاستقلال.

فاستمرار الاعتماد علي النفط وعدم وجود صناعات تصديرية كصناعة الإسمنت والحديد والبتروكيماويات مثلًا هو دليل عجز في (إدارة) قطاع الصناعة (وزارة الصناعة).

وسفر الليبيين إلى الخارج إلى الدولة الشقيقة والصديقة للعلاج رغم تخريج الآلاف من الأطباء سنويًا لهو دليل فشل (إدارة) قطاع الصحة (وزارة الصحة).

وعدم وجود قطاع سياحي وفنادق ومصائف ومنتزهات دليل انعدام وجود (إدارة) قطاع السياحة (وزارة السياحة) منذ الاستقلال وحتى يومنا هذا.

وإعداد المهندسين التي تفوق أضعاف عدد الفنيين، وأعداد الأطباء، كذلك إضعاف أعداد الممرضين والأطقم الطبية المساعدة ووجود الازدحامات المرورية وقفل الطرق بسبب هطول الأمطار وتكون البحيرات بسبب انسداد شبكات صرف مياه الأمطار، فضلًا عن عدم وجودها علي الأغلب علي سبيل المثال، لهو آية من آيات انعدام التخطيط ووجود (وزارة التخطيط).

كما أن تكدس المال بين أيدي رجال أعمال وهميين يخترعون أساليب لنهب أموال النفط عبر احتكار الاعتمادات والمناقصات الحكومية التي لا تنطبق شروطها إلا عليهم حصرًا، على سبيل المثال لهو برهان على فشل (إدارة) قطاع الاقتصاد (وزارة الاقتصاد).

والانفلات الأمني وانتشار الجريمة والحدود المنتهكة والمليشيات الجهوية وشبكات التهريب النشطة، والتي يتم عبرها تمويل الحركات المسلحة في جنوب ليبيا، لهو دليل آخر على عدم وجود دولة حقيقية لديها أجهزة شرطة.
وعدم تمكن نظام القذافي من إسقاط طائرة واحدة في أحداث 2011 لدليل علي عدم علي حجم المشاكل التي يعانيها الجيش والتي أدت إلى انعدام الفاعلية المفترضة!

الحل يستلزم استئصال هذه المنظومة الفاقدة للأهلية من جذورها، وهي أصل الداء منذ 67 سنة، والتي استبعدت الكفاءات وأصحاب الخبرات، وأنتجت لنا قيادات جهوية فاسدة تحمل ألقابًا أكاديمية، وتسيطر على جل القطاع العام في ليبيا، والذي يمثل حوالي 99.9% من النشاط الاقتصادي في دولة نفطية. لا تمتلك أي معرفة عملية أو خطة أو برنامج لدولة ليبيا، قيادات لا تحسن إلا كتابة الأبحاث النظرية في أحسن الأحوال، وتتفنن في عمليات النسخ واللصق وترديد شعارات (البلعطة) المستدامة والنمو الاقتصادي والرفاهية، بينما في الواقع! لا أحد يعرف الطريق لهذا! أو كيف نصل إلى هذه الشهارات والأهداف الجميلة عمليًا!

إذا استمرت هذه المنظومة في السيطرة علي مفاصل الحياة السياسية والاقتصادية، فريما لن تقوم لليبيا قائمة أبدًا، ويصبح حينها من الأجدى أن نبحث كلنا عن وطن آخر يستوعبنا.. إن وجدنا هذا الوطن.. ولن نجده!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد