بعدما أثبت شعبي تونس ومصر في ثورتين أن الشعوب العربية تستطيع فعلا أن تملك قرارها بيدها، وتستطيع فعلا أن تنتفض في وجه الذل أيا كان مصدره، بدأت التشجيعات والتطمينات تدب في أذهان الشباب المغربي الذي عانى ويعاني ويلات التهميش، فكانت حركة العشرين من فبراير التي انخرط فيها من انخرط من المغاربة شيبا وشبابا، ثم احتضنها من احتضنها من تيارات أيديولوجية بغية تأطيرها وترشيدها، قصد الضغط من أجل تحسين ظروف الناس، وتحقيق أبسط الحقوق. وجاءت الاستجابة سريعة، انتخابات مبكرة ودستور جديد تصيغه لجنة مستقلة يتنازل فيه الملك عن جملة من الصلاحيات لفائدة رئيس الحكومة المنتخب وبالتالي لفائدة الشعب.

انعكست هذه الإصلاحات سلبا على هذه الاحتجاجات، وظل العدد يتناقص شيئا فشيئا إلى أن تدخلت قوات الأمن لفض الباقي، وتحول الناس من مراقبة الشارع إلى مراقبة الحزب الذي عولوا عليه لـ«محاربة الفساد»، حزب العدالة والتنمية – ذو المرجعية الإسلامية – الذي اكتسح الانتخابات بفارق مريح عن ملاحقيه من الأحزاب الأخرى، وعين بعد ذلك الملك أمينه العام عبد الإله بنكيران رئيسا للحكومة والتي عرفت تواجد أحزاب الاستقلال والتقدم و الاشتراكية إضافة إلى الحزب الفائز، قبل أن ينسحب الأول منها بعد قرار مجلسه الوطني، ويعوض بحزبي التجمع الوطني للأحرار والحركة الشعبية، ثم تلا ذلك خمس سنوات لا نذكر منها إلا الزيادات والسكيتشات البرلمانية وجولات التراشق بالاتهامات بين زعماء الأحزاب الكبرى الممثلة في البرلمان، أما الإنجازات – على قلتها – فلم تجد طريقها إلى أفواه الشعب الجائعة.

لكن على الأقل كنا نقول أن الحزب الذي اختير أولا يحكم، وأن الصناديق بها نسبة من النزاهة تخول للأحزاب التنافس فيما بينها للمس – ولو بأصبع واحد – دفة قيادة هذا الوطن على أمل أن نوجهها يوما ما، إن هذا المكتسب ولو بدا تافها فإنه يفتح الباب على مصراعيه لكي يمثل الشعب نفسه بنفسه كما في الدول التي تحترم إرادة مواطنيها. قد نقول بارتياح كبير أن الاستماتة في الدفاع عن شفافية الانتخابات أهم من إطعام الأفواه في المراحل البدئية، فلقد عانى المغاربة منذ عقود لا نحصي عددها من تسلط من لا شرعية لهم، وقد نهبوا وورثوا بعدهم من نهب خزائن هذه البلاد، وكانت في كل مرة الانتخابات هي الثغرة التي يمرون منها إلى جيوبنا، سئمنا من الانخداع كل مرة بنفس الخدعة. ولو فهم المقاطعون الأمر بهذه الطريقة لانقلبت دعواتهم لمقاطعة الانتخابات إلى دعوات لكل من له حس نضالي للانخراط في الأحزاب على اختلاف توجهاتها، على الأقل ذلك أفضل بكثير من تعاقب كائنات أحفورية – لا يهمها إلا ملء بطونها وجيوبها – على الأحزاب ومنها على الحقائب الوزارية.

لا يمكن إنكار أن ضغط الربيع العربي دفع معظم مصاصي دماء المغاربة إلى رفع أيديها و التواري إلى الظلام مخافة أن يضحى بها لإطفاء غضب الشوارع، ولا يمكن إنكار أن هامش الحرية اتسع حتى صار «الملتحون» على رأس الحكومة المغربية، في حين كانت تدفعهم الدولة وتدافعهم بالغالي والرخيص من قبل وما انتخابات 2007 عنا ببعيد، هذه الحرية هي التي أتاحت لحزب المصباح تصدر الانتخابات مجددا لولاية ثانية، لكنها لم تسعفه لتشكيل حكومة بعد مرور مئة يوم وأكثر منذ يوم التعيين فيما يعرف بـ«البلوكاج الحكومي».

فقد قدم حزب المصباح ممثلا بأمينه العام تنازلات عديدة بعد أن تحالف مع حزب الاستقلال و حزب التقدم والاشتراكية (180 مقعد من أصل 198) فانتظر انعقاد مؤتمر الحمامة الذي أفرز قائدا جديدا للحزب هو عزيز أخنوش، ثم انتظره حتى أنهى مشوار الزيارة الملكية إلى الدول الإفريقية، وعرض على حزب الاتحاد الاشتراكي الدخول إلى التحالف من بابه العريض لكنه أبى وتلكأ على لسان كاتبه الأول ادريس لشكر، أما التجمع الوطني للأحرار فقد اشترط للجلوس إلى طاولة المفاوضات استبعاد حزب الاستقلال، وهنا وقف حمار الشيخ في العقبة، فكنا نتتبع المفاوضات كما نتتبع ولادة قيصرية لأربعة أطفال في وقت واحد، إلى أن جاءت «زلة» شباط الدبلوماسية، فانسحب حزبه بشكل تدريجي من الحكومة وأعلن مساندته لها حتى وإن لم يمثَل فيها، فكان من المنطقي أن نسمع عن نهاية المسلسل المكسيكي الوحيد الذي لا يعرض على شاشة القناة الثانية، خصوصا بعد وعد أخنوش بالرد في يومين، لكن المخرج كان له رأي آخر، وكان الرد ردا ليس للحزب فقط بل لتكتل أربعة أحزاب – أحدها لم توجه له الدعوة أبدا- بحجة الأغلبية المريحة، فأصدر بنكيران بلاغ «انتهى الكلام» ليغلق الباب ثم يفتحه بشكل جزئي في انتظار خطوات الفرج، خطوات ظلت تخفت أصواتها شيئا فشيئا.

وكان آخر المستجدات انتخاب الحبيب المالكي – الاتحاد الاشتراكي – رئيسا للبرلمان وهو ثالث أقوى منصب سياسي في المملكة، لكن اللافت هنا هو رد أخنوش على مطالبة بنكيران له لترشيح أحد أعضاء الحزب حتى يصوت له نواب العدالة والتنمية وتكون بادرة لإذابة الجليد وإحياء مساعي تشكيل أغلبية حكومية، والذي جاء فيه : «ما عندناش اللي يترشح لهاد المنصب»، رغم وجود عضوين في المجلس الوطني للحزب سبق انتخابهما لنفس المنصب، وكأنها محاولة لفرض الاتحاد الاشتراكي ومنه تكتل الأربع أحزاب على الحكومة فرضا، أما وقائع الانتخابات فقد توضح لنا جزء من صورة المشهد السياسي المغربي، حيث انتهى الأمر بحزب المصباح إلى الورقة البيضاء إضافة إلى نواب التقدم والاشتراكية أما حزب الاستقلال فانسحب مما سماه «المهزلة»، في حين أن كل من حزب الأحرار و الأصالة والمعاصرة والحركة الشعبية والاتحاد الدستوري والاتحاد الاشتراكي قد صوتوا جميعا بالإيجاب إعلانا منهم عن أغلبية حقيقية منسجمة الرؤى مكونة من أحزاب إدارية بألوان مختلفة وحزب وطني استعبد منذ الانقلاب الداخلي والخارجي على عبد الرحمان اليوسفي .

إذا علمنا أن لكل حركة مد حركة زجر ولكل فعل ردة فعل مساوية له في القوة ومعاكسة له في المنحى فقد نعرف لماذا يحاول مصاصو الدماء إرجاع البلاد إلى ما كانت عليه من سيطرة شبه كلية لهذه الكائنات على الحياة السياسية، وبالتالي إلى التزوير وشراء الذمم أمام الملأ، وقد فهمت قيادات وطنية هذه المساعي الخبيثة ودعت إلى الالتفاف حول المسار الديمقراطي الذي دخلت فيه البلاد مستثمرة في ذلك المطالب التي تحقق جزءها بعد الربيع المغربي، أبرزها نجل الزعيم التاريخي ومؤسس حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية عبد الرحيم بوعبيد، فأجمعوا برغم الاختلافات بينهم على دعم تشكيل الحكومة الحالية ليس لسواد عيون بنكيران، ولكن لقطع الطريق أمام أي انقلاب على إرادة الناخبين، خصوصا إذا كان هذا الانقلاب الناعم تقوده أحزاب إدارية أسقطت أسنانها في «التحراميات» السياسية ورضت لنفسها أن تستعمل وترمى ثم تستعمل وترمى وتبقى رهن الإشارة لأي استعمال جديد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد