نشر ثقافة حقوق الإنسان وتطوير الاتفاقيات الدولية

ظهرت الحماية الدولية لحقوق الإنسان منذ العصور القديمة، إلا أن الاهتمام الدولي والفعلي بها يمكن أن نرجعه إلى مرحلة الإعلانات العالمية التي تعتبر من أهم المراحل التطور المهمة في تاريخ حقوق الإنسان، إن حماية وترقية حقوق الإنسان ترجع في الأصل إلى الدولة صاحبة السيادة، التي يجب عليها توفير الحماية اللازمة لمختلف الحقوق التي تضمنتها الاتفاقيات، والإعلانات العالمية لحقوق الإنسان كما تعمل المنظمات الدولية الحكومية كذلك على توفير الحماية اللازمة لهذه الحقوق والحريات، وتجسدت من خلال عديد المواثيق الإقليمية لحقوق الإنسان. حيث أصبحت المنظمات غير الحكومية تحظى باهتمام كبير في مجال حقوق الإنسان وحرياته الأساسية.

كيف ساهمت المنظمات الغير الحكومية في حماية وترقية حقوق الإنسان ؟

أولًا: تعريف المنظمات غير الحكومية 

تعرف المنظمات غير الحكومية حسب Angela Hegarty أنها: «جمعيات خاصة تكرس مصادر كبيرة من أجل ترقية وحماية حقوق الإنسان، فهي هيئات مستقلة عن الحكومات والجماعات السياسية، تسعى للوصول إلى السلطة السياسية، لكن ليس من أجل استعمالها لأغراضها الذاتية، كما أنها منظمات إرادية تضم أفراد تجمعهم نفس المبادئ والأفكار مع ضرورة التأكيد على أنها ليست جهات سياسية، وهذا شرط ضروري للمنظمة غير الحكومية حتى تتمتع بالمصداقية، وهدفها الأساسي هو تنفيذ المعايير الدولية لحقوق الإنسان».

والمجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للأمم المتحدة عرفها بموجب التوصية رقم 288الصادرة في 27 فبراير (شباط) 1950 كما يلي: «كلّ منظّمة تنشأ باتّفاق بين حكومات، تعتبر منظّمة غير حكومية».

وقد تطور اهتمام المنظمات الدولية غير الحكومية بحقوق الإنسان، خاصة بعد ظهـور الأمم المتحدة، التي عززت من الدور الذي تقوم به هذه المنظمات، وذلك في المـادة 71 مـن الميثاق كما تعزز هذا الدور أيضًا، في عدد من نصوص الاتفاقيات الدولية والإعلانات العالمية المتعلقة بحقوق الإنسان. إن نشاط المنظمات الدولية غير الحكومية في تعزيز ونشر قضايا حقوق الإنسان يقوم على أسس قانونية جسدتها عديد الاتفاقيات الدولية، العالمية كميثاق الأمم المتحـدة، والإعلان العالمي لحقوق ألإنسان والإقليمية كالاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، والاتفاقيـة الأمريكيـة لحقوق الإنسان، وكذا الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب، إضافة إلى الوثائق الوطنية للدول، والمتمثلة أساسًا في الدساتير الداخلية للدول. [1]

ثانيًا: خصائص المنظمات غير الحكومية

من أهم خصائص المنظمات غير الحكومية

1-المبادرة الخاصة

فالمنظمات غير الحكومية يتم إنشاءها من طرف أشخاص خارج إطار الدولة، وهذا دليل على استقلالها عن الدول والحكومات، وهذه الخاصية تميزها عن المنظمات الدولية الحكومية. فالأفراد تنشأ بينهم علاقات ومصالح على أساسها يقومون بإنشاء هذه المنظمات، وبذلك يتم اختيار أعضاء هذه المنظمات بحرية، ولا تتدخل الحكومات في تعيينهم، وهذا هو الأصل. لكن قد يحدث أن يكون من بين أعضاء المنظمات غير الحكومية ممثلين تعينهم الدول، وتعطيهم تعليمات للنشاط داخل المنظمة من حيث صفة التدخل والتصويت شريطة أن لا يعيقوا العمـل، أو حرية التعبير داخل المنظمات، وأن لا يؤثروا على استقلالها. لكن هناك استثناء عن هذه القاعدة، فهذه منظمات غير حكومية تنشأ بمبادرة من الدول التي توجد فيها مثلًا المنظمة الأمريكية مؤسسة تنمية أفريقيا ADF التي أسست من طرف الكنغرس الأمريكي وتستلم كل تمويلاتها منه، وهي مطالبة بالإعلان عن طرق صرف هذه الأموال في أفريقيا، لكنها مع ذلك تعتبر منظمة غير حكومية.

2-هدفها ليس نفعيًا

عند استقراء تاريخ المنظمات غير الحكومية نجد أنها منذ بدايتها لا تسعى إلى تحقيق هدف ربحي، وبالتالي فنشطاتها تبرعية، فهي تسعى إلى تحقيق أهداف معنوية وأخلاقية وهي الحفاظ على الكرامة الإنسانية للأفراد وتسعى إلى احترام الإنسان لأخيه الإنسان. هذه الخاصية ضرورية ومن الأهمية بمكان حيث تميز المنظمات غير الحكومية من غيرها من التجمعات، مثل الشركات التجارية والمدنية، ومن ثم فهي تخضع في علاقتها مع دولة المقر إلى نفس التشريعات التي تنظم الشركات التجارية والشركات المدنية، وهذا لا ينفي أن المنظمات غير الحكومية تقدم بعض الإصدارات الخاصة من كتب ومنشورات وتقوم ببيعها لدعم ميزانيتها، وبالتالي فهي لا تكتفي بالهبات واشتراكات منخرطيها، وغالبًا ما تكون أسعار هذه الإصدارات موجهة لسد أعباء الطباعة والنشر.

ثالثًا: تطور اهتمام المنظمات الدولية غير الحكومية بحقوق الإنسان

لقد حظيت قضايا حقوق الإنسان بتصنيفاتها المختلفة وفي الأحوال كافة باهتمام العديد من المنظمات الدولية غير الحكومية منذ نهاية الحرب العالمية الأولى على أقل تقدير، وإن كان هذا الاهتمام قد تضاعف بدرجة ملحوظة – وبشكل تدرجي – خلال الفترة التالية علـى نهايـة الحرب العالمية الثانية. فقد كان لهذه المنظمات دور هام وفعال في إحلال السلم والحيلولة دون نشوب الحرب خاصة أثناء الحرب العالمية الثانية، وركزت كل جهودها طوال فترة الحـرب علـى دراسـة الوسائل والهياكل التنظيمية الدولية الكفيلة بتحقيق سلام عالمي دائـم والحيلولـة دون نشـوب الحرب مرة أخرى، وكان من أهم هذه الهيئات أو المنظمات غير الحكومية في الولايات المتحدة الأمريكية التي أطلقت على نفسها عصبة دعم السـلام PEACE ENFORCE TO OF LEAGUE THE، والتي أعلن عن قيامها في فيلادلفيا عام 1915، وكان وليم تافت الرئيس الأمريكي السـابق أحـد زعمائها. وقد كان لنهاية الحرب العالمية الثانية وميلاد الأمم المتحدة، أثره البـارز فـي تطـور المنظمات الدولية غير الحكومية، والذي أدى بدوره إلى تطور اهتماماتها بالقضايا المطروحـة على الساحة الدولية والتي من بينها قضايا حقوق الإنسان، فبعد أن كان عدد هـذه المنظمـات ونشاطها محصورًا في قضايا محدودة تتعلق على الخصوص بالجوانـب المأسـاوية للحـرب توسعت بشكل كبير، وتعددت اهتماماتها لتشمل مختلف جوانب الحياة الإنسانية، ولا سيما توسيع ثقافة حقوق الإنسان في العالم وترقيتها، والسهر على مدى احترام الأنظمة الحاكمـة لمـا تـم التوصل إليه من معاهدات واتفاقات دولية.

تقوم المنظمات الدولية غير الحكومية بالتعاون وتنسيق أعمال الحكومـات فـي بعـض ميادين القانون الدولي لحقوق الإنسان، التي تضم القضايا الكاملة التـي طرحتهـا الاتفاقيـات المتعلقة بحقوق الإنسان، حيث يمكن لهذه المنظمات أن تساهم في عملية إعداد التقارير التي تقع على عاتق الدولة الطرف، كما تساهم هذه المنظمات في تشجيع الدول وتحفيزها على التصديق على المعاهدات المتعلقة بحقوق الإنسان أو الانضمام إليها.  

تعمل المنظمات الدولية غير الحكومية إلى جانب وظائفها السابقة على نشر ثقافة حقوق الإنسان في الأوساط الشعبية، وكذا نشر القانون الدولي الإنساني على جميـع المسـتويات، وذلك من خلال التعريف بهما، ونشر التوعية بمدى أهمية كلا القانونين. تعليـم حقـوق الإنسـان.

يعتبر موضوع نشر القانون الدولي الإنساني من مسؤولية الدول الأطراف في اتفاقيـات جنيف الأربع لعام 1949 والبروتوكولان الملحقان لعام 1977، وتعمل المنظمات الدولية غيـر الحكومية إلى جانب الدول على ترقية مكانة القانون الدولي الإنساني ضمن منظومـة القـانون الدولي المعاصر، وقد تحدد الالتزام بموضوع النشر تجاه الدول في النصوص الواردة في هذه الصكوك، وتجاه الجمعيات الوطنية والدول أيضًا وفق ما جاء في القرارات الصـادرة عـن المؤتمرات الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر والقرار الصادر عن المؤتمر الدبلوماسـي المطبق في المنازعات المسلحة 1974 – 1977.

1-اتفاقات جنيف الأربعة لعام 1949، لم تخضع اتفاقيات جنيف لعام 1949 التزام صريح على الجمعيات الوطنيـة للصـليب الأحمر والهلال الأحمر بمسؤولية النشر، ولكن باعتبار أن هذه الجمعيات أداة في تنفيذ بعـض القواعد الإنسانية التي تحتويها هذه الاتفاقيات فقد نصت على دور الجمعيات الوطنية في أعمال حماية ومساعدة ضحايا الحرب، وهي بالتالي معنية بنشر هذه القواعد حتى يتسنى لها أن تقـوم بالدور المطلوب منها من خلال النشاطات الإنسانية التي تؤديها، وتتمثل أهم نشـاطات هـذه الجمعيات في التعريف بالحماية وتقديم أعمال المساعدة والتعريف بها، ومن ثـم يتضـح بـأن الترخيص للجمعيات الوطنية بممارسة هذه النشاطات المنصوص عليها في الاتفاقيات الدولية قد وضعت على عاتق هذه الجمعيات أيضًا ضرورة المشاركة بصورة أكثر فعالية لنشر أحكام هذه الاتفاقيات، وكذا التعاون مع الحكومات على نحو مفيد، والتنسيق معها في الأعمـال القانونيـة والإدارية الضرورية للوفاء بالتزاماتها المنصوص عليها في القانون الدولي.

2- قرارات المؤتمرات الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر لقد اهتمت المؤتمرات الدولية بموضوع النشر، وصدر عنها عدة قرارات هامة وضعت الأساس القانوني لدور الجمعيات الوطنية من أجل نشر القانون الدولي الإنساني

الخاتمة

يعتبر نشر القانون الدولي الإنساني إحدى وسائل التحرك الوقائي التي تستخدمها اللجنة الدولية للصليب الأحمر وتتمثل إحدى خصائصها الخاصة في أنها لا تقتصر على السلام غيـر المستقر أو أوضاع ما قبل النزاع، ولكنها تغطي كل تلك الأوضاع ( السلام الأزمة، النزاع وما بعد النزاع)، ويتمثل هدفها النهائي في التأثير على المواقف والسلوك، لضمان احترام قواعـد ومبادئ القانون الإنساني أثناء النزاع المسلح، ويعتبر نشر هذا القانون في زمن السـلم عمـلًا تعليميًا، يرجى منه أن يضبط السلوك بمجرد اندلاع أزمة ما وتكتسي عملية النشر أهمية بالغة خاصة في تفادي انتهاكات هذا القانون، ومما لا شك فيه أن سبب الانتهاكات لا يعود لقلة المعلومات، وإنما يرجع ذلـك إلـى أن القـانون الـدولي الإنساني لا يتوفر على آلية لردع المخالفات، لذا فإن أحسن طريقة لضمان احترامه هو نشـره على نطاق واسع، كما أنها ترسل في غالب الأحيان مندوبين مدربين تدريبًا خاصًا إلى الميـدان لأجل النشر منظمة العفو الدولية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد