(1)

على الرغم من أن طريقة الممثل (محمد نجم) مثيرة للجدل ولا يحظى بمتابعة الكثيرين، إلا أن مسرحيته (عش المجانين) تحديدًا حصلت على شهرة كبيرة، والعديد من مشاهدها وإفيهاتها لاقت انتشارًا إلى اليوم، ومن تلك المشاهد مشهد فتاة تناقش مع حبيبها (محمد نجم) خطة يدبرانها للتغلب على رفض والدها لفكرة خطبتها قبل أختها الكبرى، مما يتعارض مع التقاليد، وتشرح الفتاة خطتها لحبيبها وتتلخص في أن يتنكر في أي شخصية وهمية – واقترحت أن يغير شكله بتركيب شارب وذقن (لحية) – ويذهب لوالدها لخطبة أختها، وبذلك يتم التغلب على تلك العقبة ويمكن أن يتقدم لاحقًا بشخصيته الحقيقية لخطبة فتاته، فإذا بفتاها مظهرًا الذكاء والفهلوة يصرح لها أنه سينهي الأمر في جلسة واحدة، فتتساءل الفتاة في اندهاش كيف، فيرد بقولته (الخالدة):

أنا أركب شنب ودقن، وأخطب أختك، وأقلعهم وأخطبك، في قعدة واحدة!

 

وضجت الفتاة من غباء حبيبها! لكنها لم تنصرف عن حبيبها الغبي! (قطع الحب وسنينه)، وإنما عادت تشرح له بصبر أن هذا لا يمكن عمله في ذات الوقت! وأعادت مرارًا وتكرارًا شرح خطتها لحبيبها الغبي.

 

(2)

هذا المشهد العبقري حقًا والذي يعبر عن كوميديا الموقف الذي لا يتصور حدوثه في الحقيقة لأنه يمثل قمة الغباء أصبح يتكرر في واقعنا منذ 3 يوليو!

 

(3)

إن ظاهرة ازدواجية الخطاب السياسي للنظام الحاكم بين الداخل والخارج ظاهرة ليست جديدة على السياسة المصرية، وإنما مارستها عدة أنظمة حاكمة في مصر كان أشهرها والأكثر في استخدامها هو النظام الناصري، وهي ظاهرة كارثية بكل المقاييس سواء من ناحية المبدأ لما فيها من استخفاف بالشعب المصري واستهانة بعقله وبحقه في المعرفة، أو من ناحية المآل الذي يؤدي إلى أن يصبح الشعب في واد والحقائق في واد آخر حتى يفيق يومًا على كارثة تمكنه من رؤية الحقائق عارية وقتها!

 

(4)

والدارس لتاريخ مصر في العهد الناصري سيفاجأ بالفارق الرهيب بين لغة الخطاب الناصري في التوجه نحو الجماهير ولغته في ذات الوقت في الدوائر الدبلوماسية والسياسية! ففي الوقت الذي كان يتحدث فيه الإعلام الناصري بلغة زاعقة جدًا عن تحرير كامل فلسطين، كانت أروقة الدبلوماسية المصرية تعترف المرة تلو المرة بقرار التقسيم كما ورد في كتابي الأستاذ هيكل (سنوات الغليان) و(الانفجار)، وفي الوقت الذي كان يدق فيه الإعلام الناصري طبول الحرب بجنون قبيل حرب 1967 كانت كل الجهود الدبلوماسية للنظام الناصري تحاول الخروج من الأزمة دون حرب! ولم تعلم الجماهير أبدًا معرفة أي دبلوماسي أن لإسرائيل حرية المرور في خليج العقبة منذ عام 1956 وأن هناك قوات طوارئ متواجدة في سيناء، لم تسمع الجماهير عن هذا أبدًا إلا في مايو 1967! بل وصل الأمر لحالات بالغة الغرابة، فبعد الخطاب الشهير الذي قال فيه عبد الناصر (احنا بناخد من أمريكا قمح ولحم وفراخ كل سنة بخمسين مليون جنيه، إذا دعا الأمر لتوفير الخمسين مليون جنيه اللي بتديهالنا أمريكا بنوفرها على الجزمة ولا بيهمنا، السفير الأمريكي مش عاجبه سياستنا، واللي مش عاجبه سياستنا بنقول له يشرب من البحر، وإن ما كفاهوش البحر الأبيض نديله البحر الأحمر يشربه هو كمان، احنا مش مستعدين نبيع استقلالنا علشان أربعين أو خمسين مليون جنيه، اللي بيكلمنا كلمة نقطع له لسانه)، وبعد الخطاب بيوم واحد أرسل المراسيل للسفير الأمريكي أن ما قاله كان بناء على سوء تفاهم، وأنه يمكنه تجاهل ما قاله (ليعتبر الموضوع منتهيًا وأن ينساه) [هيكل: كتاب الانفجار، ص 126]، في محاولة لاستمرار المعونات بينما هو في العلن لقن الأمريكان درسًا!

 

(5)

كان يمكن تصور هذه الازدواجية وفهمها حين تكون إحداها في الخفاء، فالنظام الناصري كان (يُرَكِّب الشنب والدقن) أمام الجماهير ويخلعهما في الغرف المغلقة، فلا ترى الجماهير إلا شخصية واحدة من الشخصيتين، وهو ما لم يعد متاحًا حاليًا بسبب تمكن الإعلام وسيطرته وصعوبة الاحتفاظ بالأسرار.

 

 

(6)

على أن هذا الاختلاف الواسع في الأوضاع بين الستينيات وبين اليوم لم يمنع النظام من استكمال الطريقة نفسها، فأصبحنا بالضبط أمام مشهد المسرحية، الازدواجية علنية وليست سرية، والنظام يركب الشنب والدقن علانية ويخلعهما علانية في ذات الوقت!

 

(7)

فإعلام النظام كان يخرج على الناس يبشرهم بمقدم المخلص الذي ينيم أمريكا وتحديدًا أوباما من المغرب، والذي أفشل خططه كلها، والذي أسر قائد الأسطول الأمريكي السادس وهدد هذا الأسطول بمنعه من الاقتراب من السواحل المصرية، في الوقت الذي كان النظام نفسه يناشد أمريكا – علانية وليس سرًا – أن تعطيه طائرات الهليكوبتر الأباتشي حتى يستطيع التغلب على الإرهاب في سيناء! فهذا الذي (يعلن) احتياجه – على رؤوس الأشهاد – لعشر طائرات هيلوكوبتر لمساعدته على مواجهة إرهابيين في سيناء يتوجه في الوقت ذاته لأنصاره بمقوله إنه أخاف حاملات الطائرات الأمريكية وأبعدها عن الديار! (وكلا الخطابين علنًا)!

 

(8)

وفي الوقت ذاته الذي كان فيه إعلام النظام يخرج على أنصاره بأن الرئيس (الدكر) هو الذي يتصدى لمخططات أمريكا في المنطقة بأسرها كان هذا الرئيس الدكر يصرح – علنًا – لجريدة «وول ستريت»: لن ندير ظهرنا لواشنطن، حتى إن أدارت ظهرها لنا، وتنشر هذا الجرائد الموالية للنظام، ومنها على سبيل المثال جريدة المصري اليوم بالبنط العريض وعنوانًا يوم 21 مارس 2015! يركب الشنب والدقن علانية ويخلعهما علانية في الوقت ذاته!

 

(9)

وفي الوقت ذاته الذي كان فيه إعلام النظام يصف أمريكا بكل نقيصة فإن رأس النظام لم يتلبس أبدًا بنقد أمريكا، بل أكد – بلسانه – المرة تلو المرة على متانة العلاقات (الإستراتيجية) معها، ناهيك عن وزير خارجيته – إبان سنة توليه السلطة وزيرَ دفاع وفي أول عهده حاكمًا رسميًّا – نبيل فهمي حين صرح أن العلاقة بين مصر وأمريكا هي علاقة زواج وليست نزوة!

 

(10)

وأخيرًا وليس آخرًا، في الوقت الذي يتهم فيه إعلام النظام يوميًا أمريكا بأنها المحرك وراء الإرهاب في سيناء فإن هذا الإعلام – علانية أيضًا – يهلل لتسلم دفعة كبيرة من المدرعات الأمريكية المضادة للألغام والتي ستشكل إضافة ونقلة نوعية في الحرب ضد الإرهاب التي يشنها الجيش المصري في سيناء! وكله علنًا، وفي المكان ذاته!

 

(11)

هذا إن دل على شيء فإنما يدل على مدى تغييب العقل الذي يمارسه النظام الحاكم ويمارسه بغباء وكفاءة منعدمة، إلا أن الأعجب منه – والذي لم تجرؤ المسرحية حتى على الاقتراب منه لعدم معقوليته حتى بمعايير عش المجانين – هم أنصار النظام الذين يقبلون أن يركب الشنب والذقن أمامهم ويخلع أمامهم وهم يصفقون!

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد