لا يزال تاريخ المعتزلة يقبع تحت كثيرٍ من الغموض والجهالة، فعند مقارنة طائفة المعتزلة بغيرها من الطوائف الكلامية الكبرى كالأشاعرة أو الشيعة أو غيرهم، نكتشف أن لدينا نقصًا كبيرًا في المصادر والمعلومات عن هذه الطائفة، رغم أن الدراسات الحديثة خاصة من العالم الغربي قد شاركت بقوة في كشف الغطاء عن هذه الطائفة.

تكمن أهمية المعتزلة في أنها الطائفة صاحبة التأثير الكلامي الأكبر في عدة فرق أتت من بعدها كان أشهر هذه الفرق فرقتي الأشاعرة والماتريدية، وقد صدق من قال: لا يستطيع أحد أن يفهم علم الكلام دون أن يفهم المعتزلة، ودراسة فرقة المعتزلة دراسة متأنية هادئة بعيدة عن التسويق للفرقة أو التسويق المضاد لها، هي فعلًا مما نفتقده في حقل الدراسات العربية الحديث. فمن ناحية تقوم كثير من الدراسات – الغربية منها ومن لف لفها – بتسويق المعتزلة على أنهم آباء الليبرالية الإسلامية ودعاة الفكر والرأي، والمذهب العقلي الهادئ الأوحد الذي كان موجودًا في التاريخ الإسلامي، ومن طرفٍ آخر فريق يظهر المعتزلة على أنهم أعداء الإسلام ومحرفوه ونحوه، والواقف بين الطرفين قليل نادر من الباحثين، فالمقصد أن وضع الدراسات الحديثة الإسلامية لابد أن يأخذ منحى آخر، يضع كل الفرق على طاولة واحدة، ويعاملهم بالعدل والإنصاف المأمور به.

كانت في أوائل القرن الماضي نهضة علمية متداولة بين أعلام فكر ورأي، تخبو قليلًا وتشتعل كثيرًا، هذه النهضة كان لها انعكاسها على الدراسات العربية والإسلامية، فكان لدينا باحثون رؤوس في كل التخصصات الإسلامية والفلسفية تقريبًا، وللأسف هذا لم يُستَكمل لأسباب كثيرة، فعانت الدراسات العربية والإسلامية من انحدارٍ شديدٍ وخمولٍ لا نظير له، نأمل تجاوزه مع اليقظة الشبابية الحالية، كان من أعلام النهضة السالفة الذكر على سبيل المثال الأديب العملاق طه حسين، الذي قام بفضله ابتعاث فريق مصري من الباحثين إلى اليمن كي يصوّروا مخطوطات ومراجع التراث المعتزلي، فأخرجوا دررًا كثيرة، كان على رأسها كتب القاضي عبد الجبار الهمداني، والموسوعة الفخمة الكبيرة المغني في أبواب التوحيد والعدل، فقام فريق من الباحثين المحققين بإشراف الدكتور طه حسين بإخراج أجزاء المغني للقاضي عبد الجبار، فكان فتحًا كبيرًا عرفنا من خلاله على تفاصيل كثيرة للمذهب المعتزلي، وعلى جوانب كثيرة للقاضي عبد الجبار، الذي ليس لدينا الكثير من المعلومات عن حياته، فهو من وفيات القرن الخامس الهجري، لكن بالنظر إلى مؤلفاته يتبين جيدًا مدى علمه ويعطينا انطباعًا قويًّا بأنه كان محطة في الفكر الاعتزالي أثّرت بقوة فيمن أتى بعده، سواء كان من المعتزلة، أو من خصومهم.

وسبب وجود المغني وغيره من كتب التراث الاعتزالي في اليمن، هو أن المعتزلة بعد أن حكمت ردحًا من الزمن (80 هـ – 131 هـ)، وصارت هي الطائفة المشهورة في المجتمع الإسلامي، تفرض آراءها بالحديد والنار تارة، وبالكلام والمناظرات والنقاش تارة أخرى، ظهرت على يديها الفتنة المشهورة التعيسة المسماة بخلق القرآن، والتي امتُحن فيها كثير من المسلمين، وكان من بينهم المحدثون أمثال أحمد بن حنبل (164-241هـ) (انظر تفاصيل المنحة في تاريخ ابن كثير 10/298، ط إحياء التراث)، وكانت هذه الفتنة إحدى الأسباب مع أسباب أخرى كثيرة في أفول نجم المعتزلة، وقد لخص الدكتور أحمد محمود صبحي أسباب أفول نجم المعتزلة في العوامل التالية:

1- معاداة الدولة لهم منذ عهد المتوكل باستثناء فترات لقوا فيها رعاية بني بويه.

2- خطأ المعتزلة في استعدائهم الدولة على خصومهم بصدد مشكلة (خلق القرآن)؛ مما سبب ردة فعل عنيفة تجاههم.

3- الاستعلاء الفكري لدى المعتزلة، فما كانوا ليأبهوا برضا العامة ولا سخطهم فيما يعلنون وما يعتنقون؛ فلا شفاعة للنبي عن الكبائر دون توبة، ولا ينفع الميت بعد موته دعاء الأهل ولا استغفار الأحباب ونحو ذلك من آراء كلها تصادم وجدان العامة وعواطفهم.

ثم قال الدكتور صبحي: ولقد نقم الناس على القاضي عبد الجبار أنه قال في حق الصاحب ابن عباد عند موته وهو في نظر الناس ولي نعمته: أنا لا أترحم عليه لأنه لم يظهر توبته، يقول الكتبي معلقًا: وطعن الناس عليه بذلك ونعتوه مع كثر إحسان الصاحب عليه، ولا يشفع للقاضي عبد الجبار عند العامة أن يكون القاضي قد آثر نصرة مبدئه في خلود فاعل الكبيرة في النار على طلب المغفرة للمحسن إليه مع علمه بمجونه ومجالس لهوه ومشاركته في اغتصاب الأموال ومصادرة الأملاك، ثم يقول الدكتور أحمد صبحي: والواقع أنه ما كان يمكن لعقول العامة أن تستسيغ آراء المعتزلة بخلاف ما كان من معتقدات الحنابلة وآراء الأشاعرة، وربما أخطأ المعتزلة خطأً بالغًا في أن لا يتلمسوا أسباب تبسيط أصولهم للعامة فضلًا عن الاستعلاء الفكري عليهم. (في علم الكلام، للدكتور أحمد محمود صبحي، ص 349، 350 ملخصًا، طبعة دار النهضة العربية، بيروت، 1405-1985).

تبيّن لنا إذًا بشكل ملخص مختصر أسباب أفول نجم المعتزلة، وبعد هذا الأفول راحت الطائفة تبحث لها عن ملاذٍ بديلٍ لبلاد الشام والعراق، فاتجهت جنوبًا إلى بلاد اليمن السعيد، وقد وجدت حضنًا دافئًا متمثلًا في فرقة الزيدية أحد فروع طائفة الشيعة، بيد أن هذا يبدو أنه قد جاء متأخرًا بعض الشيء في القرن السادس والسابع الهجريين على يد الإمام الزيدي المنصور بالله بن حمزة المتوفى سنة 614هــ، وشيخ الزيدية القاضي جعفر بن أحمد بن عبد السلام، يقول صاحب كتاب أنباء الزمن عن دخول كتب المعتزلة إلى اليمن: وفي أيام الإمام احمد بن سليمان استقوت بدعة المطرفين ومذهبهم الرديء – يعني أحد فروع الزيدية – وقبل ذلك أول مدة الإمام، خرجت كتب المعتزلة من العراق إلى اليمن على يد القاضي جعفر بن عبد السلام، لما سافر إلى تلك الجهة، فمن ذلك الوقت ظهر واشتهر مذهب المعتزلة وكتبهم في اليمن، وتمسك به أيضًا المُطَّرَّفية، وتابعوا أبا القاسم البلخي، وسائر الزيدية المخترعة أبا هاشم – يعني أباهاشم الجبائي أحد أعلام المعتزلة – وكان قبل ذلك غير معروف في اليمن بين أئمة أهل البيت ولا غيرهم من سائر العرب، وإنما كانت معرفة علمائهم المعرفة الجملية من التمسك بالكتاب وصحيح السنة، وهو الذي كان عليه السلف الصالح، (مقدمة فؤاد سيد لكتاب فضل الاعتزل، ط الدار التونسية للنشر، ص10).

بعد هذا النقل المهم عن انتقال مصادر المعتزلة إلى اليمن السعيد، نعود مرة أخرى واقعنا الحاضر، فما زالت أنظار كثير من الباحثين المعاصرين صوب اليمن – رغم ما حدث فيها من فاجعاتٍ ونائباتٍ تشيب لهولها رؤس الصبيان – يحاولون استخراج ما بها من كنوزٍ للتراث العربي الإسلامي، سواء ما كان يتصل بالفكر الاعتزالي أو الزيدي، باعتبار الفكر الزيدي قد تأثر تأثرًا كبيرًا بالمعتزلة، وكانت آخر هذه المحاولات هي نشرة الدكتور رمضان يلدرم لكتاب عيون المسائل في الأصول للحاكم الجُشَمي، وهو القاضي أبو سعد المحسن بن كرامة المتوفى سنة 494هـ، وقد سبق أن نُشِر جزء من الكتاب على يد فؤاد سيد وهو ما يتعلق فقط بطبقات المعتزلة، أما نشرة الدكتور يلدرم فهي للكتاب بأكمله وقد نسخه عن نسخة وحيدة وصلت إليه من إحدى مكتبات اليمن، نسخت هذه المخطوطة يوم الخميس في 21 جمادى الآخرة 557 هجرية؛ يعني بعد وفاة الحاكم الجشمي بـ60 عامًا، وقيمة الكتاب العلمية تكمن في عدة نواحٍ، منها أن مصادر التراث المعتزلي لا زال قليل الوجود، فهذه النشرة تضع لبنة جديدة وإضافة قيّمة لهذا التراث، ومنها أن الحاكم الجشمي نفسه كان شخصية جديرة بالدراسة والفحص والبحث، فالحاكم الجشمي له مؤلّفات عدة يوجد بعضها مخطوط، وبعضها قد ظهر إلى عالم الطباعة، وقد عمل عليه الدكتور عدنان زرور، وأخذ تفسيره للقرآن واشتغل عليه، وتفسيره للقرآن هذا يعدُّ أحد المصادر المهمة التي اعتمد عليها فيما بعد الزمخشري المعتزلي في تفسيره للقرآن المسمى بالكشاف، كما أصدر الدكتور رمضان يلدرم محقق عيون المسائل أيضًا دراسته باللغة التركية عن الحاكم الجشمي وفكره.

مما يعطي لكتاب عيون المسائل أهمية خاصة – إضافة إلى ما سبق – نقْلُ الجشمي لكثير من آراء أهل الاعتزال التي غير متوفرة في كتب أخرى، هذه الآراء التي نقل كثيرًا منها الحاكم الجشمي بأمانة وبأسلوب ظريف، وتعرّض لها بالنقد والتحليل على طريقة القدماء في (قالوا، وقلنا)، يوجد بالكتاب عدة أبحاث مهمة أيضًا ففيه قسم كامل عن الفرق المختلفة بما فيه المعتزلة والزيدية والإمامية والباطنية والخوارج وغيرهم، وقسمٌ به ذكر رجالات المعتزلة بشكل مختصر من عهد الرسول عليه الصلاة والسلام – كما يرى المؤلف – إلى عهد الجشمي، أما الأقسام الباقية في الكتاب فهي الأهم في نظري والتي تحتوي على آراء المعتزلة بشكل مقارن بين رجالاتها الداخلية، وقد عرض الجشمي لمسائل كلامية كثيرة جدًّا منها في مسائل التناهي، المتولد، البدل، الأجل، الرزق والأسعار، القضاء، القدر، التكليف، الضلال والهدى، الطبع والختم، مسائل اللطف، الآلآم، في معاني القرآن والملائكة، وهكذا يدخل إلى ناحية أصول الفقه فيتحدث عن الأوامر والنواهي والكلام في العموم والخصوص، والمجمل والمفصل، والناسخ والمنسوخ، والكلام في أفعال الرسول عليه الصلاة والسلام، وباب الاجتهاد وصفة المفتي والمستفتي، وحد المباح والمحظور، وهكذا…

ثم يرجع مرة أخرى إلى علم الكلام فيتكلم في الوعد والوعيد وعذاب القبر والميزان وما يتبع ذلك من أمور الآخرة، وينتقل من ذلك إلى قسم آخر في كتابه فيتكلم في الإمامة والتي ناقشها على الطريقة الاعتزالية التي لا تخالف كثيرًا مذاهب السنة، ومن الأبحاث الطريفة عرضه لمسألة دار الإيمان ودار الكفر والفرق بينهما عند الفرق الإسلامية، يأتي بعد ذلك القسم العاشر والأخير من الكتاب التي يذكر فيها عدة مسائل تعرض دائمًا في علم الكلام، كباب الجوهر والعرض وما يتبع ذلك من مسائل في الألوان والأصوات والرطوبة واللذة والألم والتأليف والتركيب، ويختم هذا القسم الأخير بمسائل متفرقة في الوقت والزمان والبرء والمرض والتأثير والمؤثر والسبب والمسبب إلى أن ينتهي الكتاب.

فالكتاب في مجمله مهمٌ وإضافة قوية للتراث المعتزلي كما سبق بيانه، والمحقق قد نشره على نسخة واحدة، وهذا عيبٌ خارج عن إرادة المحقق؛ إذ بذل جهدًا في الحصول على نسخ أخرى ولم يُوفّق، وقد قال ذلك المحقق صراحة في المقدمة، ولعل في زمن قريب تظهر للكتاب نسخ أخرى فينكشف بها ما غمض واختلط في هذه النشرة، وقد نشر الكتاب دار الإحسان بالقاهرة في مجلد كبير هذا العام 2018، وفي طباعة متوسطة وورق أبيض اللون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أديان
عرض التعليقات
تحميل المزيد