استفاقت المحروسة من ليلتها على خبر اختفاء الحاكم، خرج ليلا كي يتدبر النجوم كعادته، ممتطيا حماره واتجه إلى جبل المقطم وبصحبته رجل وصبي، ثم أمرهم بمغادرته في الطريق، ومن حينها وهو مفقود، وخرج الرجال في أثره فلم يعثروا إلا على حمار الحاكم، كما عثروا على جبة الحاكم معفرةً بالتراب، وقميصه ممزقًا ملقيا على الأرض, ولم يعثروا على جثته حتى الآن(1)، هكذا ببساطة تم اختفاء خليفة البلاد أبو علي المنصور “الحاكم بأمر الله”، إلى الآن لم يكن الأمر غريبا فربما هاجمه اللصوص وقتلوه وأخفوا جسده، أو ربما أكلته السباع أو ضاع في صحراء المقطم فسقط في أحد الشقوق وانهار به الصخر.

لم يكن شيء يتأثر لو كان شخصًا آخر غير الحاكم بأمر الله، فالحاكم من أكثر الشخصيات إشكالية وغموض في التاريخ الإسلامي، ففي سيرته تجد من غرابة الأفعال ما يصل للجنون ومنها ما يتصف بالحكمة أيضا، وذلك سيتوقف على المصدر التاريخي الذي تستمد منه معلوماتك، فإن كنت تأخذ عن كتب مؤرخي السنة تظهر شخصية حاكم بصورة، وإن طالعت كتب مؤرخي الشيعة والإسماعيلية تجد حاكمًا آخر، وإن قرأت للأقباط المصريين ظهر حاكم ثالث، وإن طالعت كتب الدروز فتجد شيئًا يختلف عما سبق، نعم إنه الحاكم الغامض، ولو طالعت تاريخه في أي من هذه المصادر فقد لا تتعجب من نهايته من كثرة ما ستجده من غرابة في أفعاله وسيرته الذاتية.

لعلك تعرف أنه الحاكم الذي منع الملوخية عن المصريين ومنعهم من أكل السمك بغير قشر، وربما تعرف عنه أنه حاكم مستبد طاغية، هو من أحرق القاهرة بأكملها، وأمر بهدم كنيسة القيامة وبسببه بدأت الحروب الصليبية، واضطهد اليهود والنصارى وألبسهم ثياب تميزهم، وأمر بقتل الكلاب والخنازير ومنع صلاة التراويح ومنع النساء من الخروج من المنزل، ثم أمر الناس أن تعمل بالليل والنهار، وبالرغم من أنه شيعي على المذهب الإسماعيلي إلا أنه أمر بإنشاء الجوامع وله مسجد الحاكم بأمر الله في وسط القاهرة الفاطمية من أكبر المعالم الإسلامية التاريخية في المنطقة، وأنشأ دار الحكمة، وحرص على العلم وإقامة العدل فكان يسمع مظالم العامة ويحضر جلسات المحكمة، والتزم الزهد في الملابس والموكب ومنع الولائم ومنع زراعة الكروم لمنع شرب الخمر، وأنار الطرق في الليل، أفعال قد تتناقض ولا تعرف السبب ولا تجد لها تفسيرا ولا نهجا ولا نسقا(2).

وقد تجد من الشخصيات التاريخية من يتشابه معه في مثل هذه السيرة مثل الإمبرطور الروماني كاليغولا المجنون صاحب القرارات المثيرة للجدل، إلا أنه لم يكتفِ بما سبق بل ادعى الألوهية أو الحيلولة أي أن الإله حل في جسده (3)، وهنا قد تعتقد بأنه مجنون أو مجذوب فعلى مر العصور يظهر كثير ممن يدعون الألوهية والنبوة وغالبا ما تكون ضلالات وهلاوس واضطرابات نفسية، ولكن سيختلف الأمر إذا عرفت أن عقيدة “الدروز” تتمحور حول اختفاء هذا الرجل، وأن هذه العقيدة يقدر عدد أتباعها نحو مليوني نسمة حول العالم، ويتمركزون في بلاد الشام ولهم دور سياسي واضح في المنطقة(4).

ورغم سرد الكثير من الروايات حول حياة وممات الحاكم ومنها أن “ست الملك” شقيقته استأجرت عليه لقتله، ولكني لا أطمئن كثيرا للتاريخ المكتوب خصوصا لشخصية مثل الحاكم شيعي إسماعيلي فاطمي، وأيضا قد لا يشغلني حجم الكوارث والفظاعات التي ارتكبها فقد وقع فيها كثير من الحكام الأمويين والعباسيين، ولا يشغلني التناقض العجيب في قراراته فربما كان هوائيًّا متقلب المزاج، ولكن ما يحيرني فعلا كيف لحاكم مسلم أن يدعي أن الذات الإلهية حلت في جسده هكذا بكل بساطة ويكون له أتباع ويتشكل على أثرها مذهب دين كامل ينتشر إلى الآن بين الناس، فكيف كان المسلمون وبينهم جسد حلت به الذات الإلهية.

فإن كان قد مسه الجنون فكيف رضي الناس وأغلبهم سني المذهب، ففي التاريخ يوجد العديد من المحن والفتن كمقتل الصحابة الكرام أو الردة عن الإسلام أو فتنة خلق القرآن، ولكن دائما ما كان المجتمع الحي يقدم نماذج وأطروحات للتصدى أو الاعتراض والإصلاح، ومنها فتنة خلق القرآن التي تصدى لها الإمام أحمد بن حنبل ونال من العقاب في ذلك ما لم يتحمله أحد، ولم تكن تقتصر هذه الفتنة على معركة فكرية بين الحاكم وفقهائه والإمام، بل كان للعامة موقفهم ولنتذكر الأعرابيّ الذي استوقف الإمام وهو في طريقه لاستدعاء من الخليفة ليمتحنه في مسألة خلق القرآن فإن لم يقل بها زاده العذاب ولربما قتله نصح الإمام أحمد في المحنة، فقال: (يا هذا إنك وافد الناس فلا تكن شؤمًا عليهم، وأنك رأس الناس اليوم، فإياك أن تجيبهم إلى ما يدعونك إليه، فيجيبوا؛ فتحمل أوزارهم يوم القيامة، وإن كنت تحب الله، فاصبر على ما أنت فيه، فإنه ما بينك وبين الجنة إلا أن تُقْتَلَ”، (5) -عن الحافظ بن كثير رحمه الله- فأين مثل هؤلاء سواء كانوا من الفقهاء أو العامة لم يظهروا في مثل هذه المحنة “الوهية أو حيلولة الحاكم”.

وقد يشكك البعض في رواية ادعاء الحيلولة من الأصل، وربما استغل مؤسسو الدرزية حادث اختفائه لتكتمل ملامح مذهبهم الخاص وأنه إله وقد رفع للسماء، وما قد يعضد ذلك أن الإسماعيليين في القاهرة بعد اختفائه اضطروا إلى إعلان وفاة الحاكم بأمر الله وإعلان ابنه علي الظاهر لإعزاز دين الله إمامًا وحاكمًا للدولة الفاطمية لعام 411 من الهجرة، إلا أن “حمزة بن علي” مؤسس المذهب الدرزي رفض التسليم بموت الحاكم، وقال إن الحاكم اختفى ليعود في وقت لاحق ليملأ الأرض عدلًا، لذلك فهو رفض الاعتراف بإمامة ابنه الظاهر وأعلن هو ومن اتبعه في بلاد الشام عن انشقاقهم عن الدولة الفاطمية.

وما زال إلى الآن الناس أفرادا كانت أو أنظمة تستخدم الحوادث وقد تكون فردية كمصوغ أو مبرر لأفعالهم وقرارتهم وتلبس قدسية القدر، ومعجزات الإله، وتصبح هذه الحوادث هي تاريخ يفصل ما قبله عما يلحقه، الأعجب من كل هذا أن المذهب الإسماعيلي حكم مصر طوال مائتي وخمسين عام وأنشؤوا الأزهر لنشر المذهب الإسماعيلي، إلا أنه ببساطة لم يتشيع المصريون بل لم يأخذوا عن الإسماعيليين غير فانوس رمضان وحلاوة المولد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

(1) ابن ظافر، أخبار الدول المنقطعة، ص٥٧. ابن الجوزي، المنتظم، ج٧، ص٣٠٠، ٢٩٨. ابن الأثير، الكامل، ج٨، ص١٢٩. الدوداري، كنز الدرر، ج٦، ص٣٠١. المقريزي، اتعاظ الحنفاء، ج٢، ص١١٥. ابن تغري بردي، النجوم الزاهرة، ج٤، ص١٩٢،١٨٩.
(2) ابن الأثير، الكامل، ج٨، ص١٣١. المقريزي، اتعاظ الحنفاء، ج٢، ص١٢٦.
(3) البداية والنهاية ج11/ ص345. النجوم الزاهرة، ابن تغري بردي. حسن المحاضرة، أبو بكر السيوطي.
(4) سامي مكارم، أضواء على مسلك التوحيد "الدرزية".
(5) البداية والنهاية، محنة خلق القرآن، ابن كثير.
اتعاظ الحنفاء بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفاء للمقريزي
الحاكم بأمر الله، الخليفة المفترى عليه - د. عبد المنعم ماجد
بدائع الزهر لابن إياس
خطط المقريزى
حسن المحاضر للسيوطي
النجوم الزاهرة لابن تغري بردي
المواعظ والاعتبار في ذكر الخطب والآثار للمقريزي
عرض التعليقات
تحميل المزيد