إنّ الطريقة الصحيحة في الكتابة عن اضطراب التخرج هي مناقشة الأمر من ناحية اجتماعية ونفسية مع تسليط الضوء على التقاليد والعادات المتبعة للنجاة من وسواس ما بعد التخرج والمؤثرات الخارجية التي تعمل على تضخيم الأمر، مع عدم إغفال النظر عن طموح كل إنسان وتفاوته وكم تبقى له ليبلغ الرضا عن ذاته وما هي النسبة التي حصل عليها مسبقًا؛ لذلك فإنّ الأحداث المتسارعة مؤخرًا والأصوات المشوّشة والكثير من الحقائق التي باتت مجرّد خرافات الآن، دليل صارخ أنّ كُلّ شيء قابل للتغيّر وما إن يتغيّر ثابت من الثوابت حتّى يتغيّر كُلّ شيء.

اضطراب ما بعد التخرج أو ما يُسمى بالجحيم الذي لا مناصّ منه عقي انتهاء الفترة الجامعية، أهمّ ما يتعرض له جيل كامل في كل عام، ولعله أبرز ما يحصل لفئة معينة بشكل كثيف وبطريقة مشتركة، المؤسف أنّ الأغلب يتعامل مع الاضطراب بذات الطريقة وما يبعث الأمل أنّ القليل من هذا الجيل يلجأ إلى ما سأعرضه في هذا المقال.

أحد أهم أسباب اضطراب التخرج هو ما يُسمى بتقاعد موّجه المسار، تخيّل نفسك عزيزي القارئ أنك في قطار وقد تعطل هذا القطار عن العمل فجأة، إلا أنه من حسن الحظ أنك قد وصلت المحطة المطلوبة، رغم ذلك بقيّ شيء فيك ضائع، وسعادتك مضطربة، بين نشوة الفرح بالوصول والتردد بالنزول من القطار؛وذلك جهلًا للوجهة بعد تلك المحطة والمصيبة تقاعد كل من يمكنك سؤاله، إلى أين أذهب؟، أنت لم تتأثر بتعطل القطار إلا أنك فجأة وجدت نفسك تتمنى لو كان مصيرك، مصيرهم، على الأقل سيبقون بالقطار وسيأتي مرشد لم يتقاعد ليخبرهم وُجهتهم أما أنت فلا. قد كنت قبل سويعات مثل أغلب رُكاب المقطورة؛ وجدوا من يوصلهم دون عناء التلفت للوجهة أو الحذر من الصعوبات أو اتباع طريقة لمعرفة هل الطريقة التي كان يقود فيها السائق صحيحة أم لا!

وجه الشبه بينك وراكب القطار، أنك فجأة وجدت نفسك مُرشد نفسك بلا دليل يؤكد صحة السير في طريق معين.

وحسب ما ورد في موقع مترو البريطاني في آخر دراسة عن اضطراب التخرج حددوا أنّ السبب الآخر، هو سؤال المجتمع عن الحال الحالي وما هي الخطوة القادمة، إنه سؤال يعرّف عنك بالكامل ويحدد من تكون وهل أنت شخصية رائعة أم تافهة وغبية، والسؤال هو، هل وجدت عمل؟ هل سجلت لإتمام الدراسات العليا؟ هل تسعى لإنشاء مشروع خاص؟ هل ستتزوج؟

مراحل الحياة في المجتمعات العربية تتشابه، ولادة فعمل فموت، كأنّ الحياة بعد التخرج فارغة، ذلك لأن الجامعة مليئة بالساعات والخطط التي تملأ الوقت دون تكلف عناء التفكير بماذا سأفعل الآن، وحدّ الفراغ هذا هو الذي يسمح للآخرين بدفعك أن تملأها كما ملأها التعساء من قبلك.

والبعض الآخر يتوقع سبب إصابته بالاضطراب هو مواجهة الواقع وتخيّل وظيفة الأحلام بعيدة كل البعد عنه، فالأمل الذي تغذى به طوالّ الفترة الجامعية؛ اختفى. وأدرك المضطرب فجأة أنّ هذا العالم لا يُقدّر ذكاؤه أو يحترم آماله أو يضع نصب توجيهاته خطط هذا العبقري في تغيير المجتمع ونهضته!

المؤسف أنّ هذا الشعور يُصيب الإنسان في زهرة تقدمه والوقت الذي سيكون في أوج ازدهاره وما إن تنتهي؛ تنطفئ شُعلة الهمة وتختفي رغبة المرء بالوصول لعالم الأحلام أو السير على خطى الوظيفة المرغوبة، ليصبح المرء عبارة عن آلة مقابل راتب شهري، يفعل ما يُؤمر به ويصنع المطلوب مع تعطيل حركة سير الدماغ أو حتى محاولة إدراك الذات وتقدير الوعي والاتجاه صوبّ الرسالة الحقيقة في إعمار الأرض مع تحقيق الكيان؛ ولهذا تتسم بيئة العمل في مجتمعاتنا العربية بافتقارها للإبداع، وبضمّ الكثير من الأشخاص الذي لا يحبون ما يفعلون، فأين شرط الإبداع إن اختلّ شرطه الأساسي؛ حبّ ما تعمل!

العالم بعد الجامعة مختلف، أصبحت مسؤول للمرة الأولى عن القرار والوجهة وباتّ كُلّ مؤثر خارجي ينتظر ردة فعل خاصة بك. وهنا حان وقت التغير، وما أشرنا إليه في بداية المقال.

 ما هو الأمر الذي يقوم به قلة من الناجحين من المصابين باضطراب التخرج؟

القاعدة الأولى، لا تُقارن نفسك بأيّ أحد، المقارنة مقبرة الإبداع وانظر لنفسك وابدأ بطرح الأسئلة التالية:

  • ما مدى قوة السيرة الذاتية الخاصة بي، هل تتشابه مع الآلاف الذين تخرجوا في الوقت الذي تخرجتُ فيه، أم كانت مليئة بالدورات والشهادات والندوات والتحديات؟

  • ما مدى معرفتي بالتخصص الذي أحمل فيه شهادة موّثقة، هل معرفتي سطحية لا تسمح لي بأن أُفيد غيري به، هل لو تعرضتُ لسؤال في صُلب الاختصاص؛ أجبته أم تعذرت بحجة أنّ الجامعة فاشلة ولم تُعطينا المقرر المطلوب لهذا التخصص؟

  • هل أستطيع أن أُعطي ندوة بتخصصي؟

  • ما هو مدى مرونة سوق العمل مع هذا التخصص؟

الكثير من الأسئلة أتركها لك عزيزي المحارب في ساحة العمل، إنما لا بُدّ من معرفة أنّ الفشل في بداية هذه السنوات لمصلحتك، الفشل في هذا العمر يُنشط الدماغ تجاه الكثير من المواقف ويفتح آفاق أخرى للتطور والإنجاز.

ماذا عليّ أن أفعل في هذه الفترة؟

  • اعرّف نفسك.

ابحث عن مواطن الشغف والإبداع فيك، حاور ذاتك أكثر، اقرأ كثيرًا، توسع في تخصصك بالكاد ما حصلت عليه في الجامعة لا يكفي لممارسة العمل فيه.

  • تطوّع

في كُلّ منظمة أو شركة أو مكان له علاقة بتخصصك إن رغبت بالعمل فيه أو البحث عن فرصة لتنمية شغفك أو موهبة ما ترغب بأن تصبح مصدر دخل.

  • لا تضع شرط الراتب المرتفع والمتوسط في أولويات البحث، اسعى أن تكون الغاية المعرفة، اكتساب الخبرة، الغرق في ميدان العمل.

  • لا تُطبق نظرية ما تعلّمته من مواد نظرية يكفي لخوض نزال ساحة المعركة، الميدان يختلف حتى أنه في بعض التخصصات قد يعتبر تخصص آخر لا علاقة له بالتخصص الذي وُظفت فيه.

  • اصنع برمجة خارجية خاصة بك.

غيّر الإدراك ومن ثم غيّر الفكرة وغيّر الأمور التي تُركز عليها، عقلك اللاوعي سلاحك في ترويض الوعي.

  • استيقظ كُلّ يوم صباحًا حتى ولو لم يكن لديك ما تفعله، في هذا التمرين تحفيز العقل بالإبداع.

  • بل تفكر في شيء لم يحصل، بالتحديد لا تفكر في شيء سلبي لا يمكن له أن يحصل، في هذا الفعل استنزاف للمشاعر والأحاسيس في رصد قلق التوقعات، فالعقل يلجأ لتضخيم كل ما هو سيئ، وعلى ذلك استنزاف الطاقة التي ستتعلم بها.

  • فكر بخطة إيجابية منطقية واقعية ترفعك درجة في التعلّم الذاتي.

  • احصل على دورات في مجالك، اعمل على تنمية مواطن الشغف لديك، الشبكة العنكبوتية أكبر معلم ويُعطيك شهادة تستحق أن تحملها.

وأخيرًا؛ لست وحدك من يمر بهذا الاضطراب، ذكر نفسك بها كُلّ يوم وذكر بها غيرك. الكثير ممن تركوا بصمة لهم في هذا العالم واجهوا ما توجهه أنت الآن، آينشتاين كان عاطلًا عن العمل لمدة عامين، وحين توظف فكان موظف في مكتب براءة الاختراع السويسري، وها هو اليوم أهم علماء الفيزياء في العالم، خُض تجارب فاشلة وصعبة، هيلاري كلينتون، بعد تخرجها من كلية العلوم السياسية، اتجهت لتعمل في مطعم لتجفيف السلمون والكثير الكثير.

إنما في نهاية المطاف، بعد الكثير من التفكير وجد كُلًا منهم طريقًا لا ليسير به فقط، بل يتميّز به عالميًا، ومن ثم يأتي التفرّد، والتفكير خارج الصندوق، ولا تفكر كالآخرين، فأنت إنسان مستقل لك وعي وذات ونفس وطموح غير من تقارن ذاتك فيهم.

لا تفقد نفسك وأحلامك من أجل السعي وراء المال، الرسالة الأهم في هذا الوجود، إيجاد الذات، ولن تجد الذات دون متعة البحث والنضال والكفاح في سبيل الرسالة التي تسعى من أجلها، ولا تبقى عالقًا لينتهي بك الاضطراب كما انتهى بالكثير من بنو البشر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد