لا تعد النماذج المصغرة في المنهج الدراسي فكرة ثورية أو جديدة في التعليم، ولكن لا تزال المؤسسات التعليمية بالعالم العربي خاصة تفتقر لأبسط الوسائل التي تساعد على إيصال المعلومات بطريقة واضحة ودقيقة وسريعة.

يصبح الطالب أكثر تعمقًا عندما تتاح له الفرصة لمشاهدة ما يتخيله في ذهنه مجسد أمامة بطريقة مصغرة، فتعزز قدراته على اكتساب المزيد من الفهم، ربما كان التونسيون من طلبة ومسؤولين بالمؤسسسات التعليمية أكثر وعيًا وإدراكًا بأن أساليب التعليم المباشر القائمة على المحاضرات والصور والكتب وعمليات التقييم التقليدية لا تعمل بشكل فعال في عالم التعليم الذي يعتمد على المشاريع العلمية، هذا ما أكده المعهد العالي لعلوم وتقنيات المياه بقابس (تونس) الذي احتفل الأيام الفارطة بتخرج طالبين بالمرحلة الأولى من التعليم العالي، قاما من خلاله بتقديم مشروع التخرج، والذي يتمثل في نموذج مصغر لآلة تنقيب عن المياه في البحر، انتهى بملاحظة حسن جدًا تحت إشراف اللجنة المتكونة من دكاترة مختصين بهذا المجال: رياض الأحمدي، محمود الخليفي وحسين الكيلاني.

هذا النموذج قام بصنعه كل من بلال عبد الكريم ومنتصر الميساوي تحت تأطير الدكتور نور الدين حمدي مدير المعهد ونبيل عبعاب طالب بمرحلة الدكتوراه متخصص في مجال الجيولوجيا, وهو عبارة عن آلة حفر من نوع jack up Rig للتنقيب عن المياه تعمل على عمق يصل إلى 500 قدم.

ثلاثة أشهر كانت كافية لكل من عبد الكريم والميساوي لإنجاز هذا العمل الذي جمع بين المعرفة ومهارة التصميم ليبرز في صورة تحمل كل معاني الدقة والاحترافية والتحدي.

وفي حديث عن طريقة ومراحل صنع هذه الآلة يقول الطالبان: خمسة أنظمة يتميز بها مجال الحفر (نظام الرفع، نظام التناوب، نظام الدوران، نظام الطاقة، ونظام الأمن لضمان سلامة الإنسان والبيئة وسلامة الحفر).. لقد اعتمدنا في هذا المشروع على قوة التصميم والتنفيذ لنموذج jack up Rig الذي أنجز على سلم 1/120، لقد قمنا أولًا بتصور مختلف الأجزاء.. في البداية قمنا بصنع برج الحفر (derrick) بقياسات 20.5cm /75cm، ثم الأنبوب قطره الداخلي 1cm والخارجي 2cm، وطوله 12.5cm , بعد ذلك قمنا بتحضير قاعدة الآلة (partie basal de plate forme) بقياسات 110cm /11.48 وحوض طين الحفر(bassin de bac à boue) بطول 40cm، عرض 20cm وارتفاع 10cm، هذا إضافة إلى الدرج الكهربائي 10cm/6.7cm، ومقصورة للقيادة 60cm/23.27cm، وساق الارتكاز 100cm/6.5cm. ثم قمنا بجمع كل هذه الأجزاء مع حوض طوله 200cm، وعرضه 180cm، وارتفاعه 150cm، وهكذا إذًا اكتملت الصورة ليصبح لدينا نموذج ذو تحركات بكل الجهات (من اليمين إلى اليسار ومن الأمام إلى الوراء) ليقوم بعملية الحفر.

يقول نور الدين حمدي مدير المؤسسة والمؤطر لهذا المشروع: إن هذا النموذج لآلة الحفر سيكون وسيلة جيدة للطلبة للتعرف على أهم أجزاء هذه الآلات، وكيفية عملها بطريقة مباشرة؛ لتكون فرصة لتعزيز معرفتهم في مجال التنقيب، مشيرًا إلى أهمية تطوير العملية التعليمية بشتّى الوسائِل والطُّرُق، وذلك بالاستفادة من التطوّرات والمُخترعات الحديثة التي يُمكن أن تُعزِّز من جودته.

لم يكن هذا أول مشروع تخرج يتم من خلاله صنع نموذج لآلة ما بالمؤسسة، وهنا تبرز أهمية المسؤولين بالمؤسسة في تطوير العملية التعليمية ورفع مستوى البحث والتجريب والابتكار بهدف التحسين والاستفادة من خبرات وإمكانات الطلبة في مجال تخصصهم.. وأن التعليم لا يعني مُجرّد معلومات متراكمة في برامجه، ولكنّه يعني اتّباع أسلوب وطريقة في العمل تسير في خطوات مُنظّمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!