منذ أيام قليلة انتهى العرض الثاني لمسلسل «جراند أوتيل»، حيث لم أكن متابعًا جيدًا له في رمضان الماضي، وعند عرضه للمرة الثانية وجدت نفسي أمام لوحة فنية مرسومة بامتياز، مع دقة في كل شيء، من تصوير، وموسيقى تصويرية، وإتقان وتفانٍ في العمل من أبطاله الممثلين والفنّانين. وإن ما يميز مسلسل الـ«جراند أويتل» هو أداء أبطاله سواء أبطاله الشباب أو كبار الفنّانين أو المخضرمين، بداية من بطله الأول عمرو يوسف (علي)، والفنّانة الشابة أمينة خليل (نازلي)، أو أحمد داود (مراد)، والفنّانة القديرة سوسن بدر (الست سكينة)، وأنوشكا (قسمت هانم)، وضيفة الشرف الفنّانة شيرين (فخر هانم)، ورجاء الجداوي (عنايات هانم)، ومحمود البزاوي (الريس صديق كبير الخدم)، والممثل الشاب صاحب الإبداع والمفاجآت محمد ممدوح تايسون (أمين)، ودينا الشربيني (ورد)، وندى موسى (آمال)، ومي الغيطي (فاطمة)، آية سماحة (ضحى). هذا بالنسبة لأبطاله الممثلين، أما بالنسبة لأبطاله الحقيقيين فيرجع إلى صاحب السيناريو والحوار والتأليف السيناريست تامر حبيب، ومخرجه الشاب محمد شاكر خضير ابن المخرج شاكر خضير، رحمه الله، ثم أحمد شاكر خضير منتج فني، والمنتج محمد مشيش، ثم يأتي صاحب الموسيقى التصويرية للمقدمة والنهاية، ثم الموسيقى التصويرية داخل المسلسل الموسيقار التونسي الشاب أمين بوحافة صاحب المقطوعات والمعزوفات التصويرية الرائعة لمشاهد الحب والأمل واللقاء وجلسات النيل، ثم مشاهد الجريمة وتعقد الحدوتة، ثم تسلسل المشاهد في السياق الدرامي المتصاعد، ومشاهد التذكر، وغيرها وغيرها مما سيأتي تفصيله ومدير التصوير تيمور تيمور.

هذه التوليفة السابقة المكونة من: (المخرج محمد محمد شاكر خضير، السيناريست تامر حبيب، ثم أحمد شاكر خضير منتجًا فنيًا، والمنتج محمد مشيش، الموسيقار التونسي أمين بوحافة، ومدير التصوير تيمور تيمور) هي نفس مجموعة عمل مسلسل «طريقي» الذي كان لوحة فنية أيضًا من الملابس وقصة العمل والأزياء وإكسسوارات الفنّانين، بدءًا بنجمة العمل الفنّانة والمطربة المصرية شيرين، ثم سوسن بدر، وياسمين صبري، ومحمود الجندي، وندى موسى، وغيرهم. فقد كان معزوفة موسيقى في حد ذاته، وقيمة فنية تضاف لرصيد الموسيقى والغناء المصري، فكانت أغاني شيرين فيها إبداع خاص وبخاصة الأغنية التي أثرت في الناس جميعًا وهي أغنية الفراق والوداع الأخيرة في المسلسل (كده يا قلبي يا حتة مني.. يا كل حاجة حلوة فيا.. كده هتمشي وتسبني وحدي.. في الحياة والدنيا ديا)، من كلمات أمير طعيمة، وألحان خالد عز، وتوزيع موسيقي أمين بوحافة.

مسلسل «جراند أوتيل» تدور أحداثه في أحد الفنادق الضخمة التي يسكنها مجتمع رجال الأعمال ويعقدون فيه صفقاتهم، بينما تقع جريمة قتل تتعرض لها موظفة في هذا الفندق، وتبدأ رحلة شقيق الموظفة في البحث عن القاتل لتقديمه للعدالة، وهو ما يورطه في عالمهم، فلم يسلم من سوء الحظ، ولكن في النهاية يتمكّن من أن يصبح هو مديرًا للفندق مما يساعده على الانتقام من قاتلي أخته والزواج من حبيبته.

بالنسبة للحن والموسيقى التصويرية في الـ«جراند أوتيل» فقد سَحَرَ الموسيقار الشاب التونسي أمين بوحافة القلوب، وخَطَفَ الآذان كعادته مع أوركسترا التي تصل فى بعض الأحيان إلى 90 فردًا. فملأ الموسيقى التصويرية في العمل بالعاطفة والتشويق والإثارة، وأكثر في حالات مختلفة من الشجن والحب والحزن والوحدة. فتظهر بحق موهبة وتفرد الموسيقار بوحافة في الحلقة 23 عند اكتشاف فضيحة «آمال» ندى موسى بحملها الكاذب وكذبها على زوجها في بنوة ابن «ورد» دينا الشربيني، وتدخل الموسيقى على أنغام «ليه ليه يا عين ليلي طال» في أغنية (عاشق الروح) لموسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب لـ«الريس صديق» الفنّان محمود البزاوي مع «علي» عمرو يوسف، وهنا تظهر روعة مدير التصوير والمخرج محمد شاكر خضير في رسم حزن الشخصيات على افتضاح أمرهم بدءًا بـ«قسمت هانم، ثم آمال ابنة قسمت من اكتشاف كذبة طفل ورد الخادمة الذي هو ابنها وليس ابن إحسان زوجها، و«نازلي» أمينة خليل في تفكيرها في مدى كذب زوجها وأمها عليها، وحسرة «عنايات هانم» في كذب بنوة زوجة ابنها لولدها، واستهزائها بهم جميعًا بتدبير من والدتها طمعًا في ميراث إحسان، ثم «مراد» أحمد داود وسرحانه في افتضاح أمره لأبوته الحقيقية للطفل، وتدخل الموسيقى التصويرية الهادئة وتعابير الوجه لكل الشخصيات آنفة الذكر، مع تعابير حزن «أمين» محمد ممدوح تايسون في اكتشاف أن مالك الجراند أوتيل هو أبوه، والقديرة سوسن بدر أمه، ودينا الشربيني «ورد» وفرحتها برجوع ابنها إليها سليم بعد وفاة ابنها التوأم الأول سليم، فكل فنّان من هؤلاء الموهوبين «وحش وغول تمثيل» جميعهم. إنه بحق مدير تصوير مبدع، وأيضًا الفنّانون أبدعوا في هذا المشهد أيما إبداع، فكانت معركة تمثيلية بنظرات العين فقط بدون كلام، وتفاعل الشخصيات جميعها في إظهار مدى شدة واعتصار الألم في صمت، مع موسيقى هادئة من عبقري هو أمين بوحافة.

أمين بوحافة بدايته المبكرة كانت توحي بنبوغه الموسيقي، فقد بدأ العزف على البيانو فى سن الثالثة وبعدها تعرّف على الموسيقى العربية، ثم أجرى دبلومة للموسيقى العربية وهو في سن الثانية عشرة في معهد الموسيقى العربية في تونس، وأكمل دراسته للموسيقى في فرنسا، ودرس البيانو الكلاسيكي والهارموني وعزف الأوركسترا مع أفضل مدرسي المعهد في فرنسا، وطوال الوقت كان محبًا للموسيقى العربية، فكان لكل ذلك انعكاساته في أعماله الرائعة مثل: «ونوس، ثم بعد البداية».

تم تصوير الـ«جراند أوتيل» في فندق «Cataract» كتاراكت بأسوان، وسط الطبيعة الخلابة والحضارة العريقة للفندق ولمصر من مناظر طبيعية جميلة، وآثار مصر الخالدة، مما استطاع جذب الأنظار بشدة له، ومما سيساهم في رجوع السياحة لأسوان والترويج للأماكن السياحية الخلابة بمصر، وهنا يظهر دور الدراما بإبرازها للمناظر الطبيعية الخلابة في أن تروج للسياحة، حيث تم التصوير في غرف نزل فيها بالفعل شخصيات عالمية مثل: الزعيم الهندي أغاخان الثالث، والأميرة ديانا، كما أنّه يحمل بالفعل أسماء عدة لشخصيات عالمية لرواده ونزلائه. فمن جلوسها في شرفة جناحها الخاص بها استوحت الكاتبة العالمية أجاثا كريستي قصتها الشهيرة «جريمة على ضفاف النيل»، وأيضًا الجناح الخاص بـ«السير ونستون تشرشل» رئيس وزراء المملكة المتحدة البريطانية الأسبق الذي كان دائم الزيارة لأسوان والنزول في فندق كتاراكت بأسوان.

المسلسل هو مسلسل إسباني عدد حلقاته 120 حلقة مدة الحلقة 90 دقيقة، تدور في بداية القرن العشرين وبالتحديد 1902، ومترجم للإنجليزية، ومعتمد على أنه في كل حلقة في حلقاته تتم استضافة عائلة تحضر للفندق ويتفاعلون دراميًا مع شخصيات المسلسل، وكان من ضمن الشخصيات التي تفاعلت دراميًا مع الشخصيات الرئيسية في المسلسل بالفعل الروائية العالمية أجاثا كريستي الكاتبة العالمية، وتم تمصيره عن طريق السيناريست المصري تامر حبيب في 30 حلقة.

أما بالنسبة للملابس والإكسسوارات فيعود الفضل لها فيها ورسم ملابس الشخصيات بطريقة مناسبة لكل شخصية لمصممة الأزياء ياسمين القاضي، حيث قامت بتفصيل الملابس للأبطال وفق كل شخصية في العمل، مما يلقي على كل شخصية رونقها وقوتها الدرامية فنذكر منها: «قسمت هانم» الفنّانة أنوشكا، فقامت بتصميم أزياء تناسب قوة صاحبة الجراند أوتيل من قوة الشخصية والسيطرة والشياكة والغنى، وأيضا إلباسها إكسسوارات تظهر مدى أناقتها وكبريائها وثقتها بنفسها، وأيضًا المجوهرات ولمعانها. ثم «نازلي» أمينة خليل، فتم اختيار أزياء وفساتين تليق بالحقبة الزمنية التي تم تصوير المسلسل بها، وهي الفترة التاريخية الأقوى في تاريخ مصر عربيًا وعالميًا 1950، فتّم تصميم الملابس والأزياء لها لتناسب طبيعة شخصية نازلي الملائكية الجميلة لفتاة أحلام كل الشباب لفترتها الزمنية فهي «بنت الأكابر المتعلمة في بلاد برة»، وأيضًا لشباب الألفية الذين يرون فيها فتاة أحلام كل شاب من تعليم وثقافة وطيبة وجمال وحب للحياة ونصرة للحق، حيث أبدع المخرج شاكر خضير في رسمها بإتقان وهدوء. ومن أجمل فساتين نازلي فهي في مشهد نزول نازلي من قطار أسوان للعودة من لندن، وهناك أيضًا فستان الخطوبة المرصع بالألماس، ثم فساتين الصيف، وأيضًا الفستان الذي ارتدته عند لقاء حبيبها «علي» عمرو يوسف، بعد مواجهتها لمراد زوجها بالانفصال وأنه قاتل أبيها وطلبها الطلاق، وأيضًا من أحلاها وأجملها على الإطلاق ليس فستانًا واحدًا ارتدته في الحلقة الأخيرة فقد ارتدت حوالي 4 فساتين كان أجملها مشهد الختام في الحلقة الأخيرة عند التقاط صورة النهاية كان باللون الأبيض الجميل و«البرنيطة» النسائية المشهورة لبنات العائلات الكبيرة أو بنات الذوات. وأيضًا ملابس الفنّانة القديرة سوسن بدر «الست سكينة أم أمين» وهي رئيسة الخدم وبعد امتلاكها الفندق من تحولها لشخصية غنّية. وفساتين «آمال» أخت نازلي، وفخرية هانم «شيرين»، و«عنايات هانم» رجاء الجداوي كانت أيضًا جميعها بنفس الجمال والأناقة والتصميم العالي الذي أبرز تفاصيل كل شخصية وملاءمتها للحقبة الزمنية الجميلة لجيل الأربعينيات والخمسينيات. ولا نغفل أيضًا المكياج وكوافير الشعر كان لهما دور كبير في إضفاء بهاء الشخصيات ورسم تفاصيلها من الغني للفقير والعامل بالفندق، وإظهار تسريحات الشعر التي كانت منتشرة في تلك الفترة الزمنية.

أما أزياء الرجال بدءًا بـ«علي» عمرو يوسف، ثم «مراد» أحمد داود، و«أمين» محمد تايسون، و«الريس صديق» محمود البزاوي وغيرهم الكثير من الشخصيات، فقد أبدع المخرج محمد شاكر خضير في رسم تفاصيل الشخصيات وساعد على إظهارها أكثر المنتج الفني أحمد شاكر خضير ومصممة الأزياء. الحق يقال فقد صدق الفنّانون والممثلون جميعًا في إتقانهم لشخصيات العمل، وتلبسهم الشخصيات بإتقان وحرفية كبيرة وبصدق فني، لكي يظهر هذا العمل الفني بتلك اللوحة الفنية المرسومة بدقة وبريشة فنّان ورسام تصوير مبدع. ولكن ما يعاب على القائمين على العمل بأنّه تم استعجال الحلقة الأخيرة و«سلقها» سريعًا، فكان يرجى أن تتم إضافة تفاصيل أطول في محاكمة «مراد» أحمد داود على قتله أبا نازلي، وجو المحكمة في فترة الخمسينيات، واستعراض لفرح وحزن الأبطال بعدالة المحكمة، وتصوير للمحكمة من الخارج، وحزن قسمت شريكة مراد في عملية قتل زوجها بالاتفاق معه، ثم بعد ذلك لقطات جميلة لابد أن يتم وضعها ومشاهد حب وغزل لعمرو يوسف مع نازلي وفرحتهما برجوع الحق، وبراءة أمين، ثم حفل زفاف نازلي وعلي. كل تلك التفاصيل كانت محتاجة لحلقة أو حلقتين إضافيتين.

وأخيرًا فتحية تقدير وإشادة لكل أبطال ونجوم العمل على ما أظهروه من حرفية شديدة وإخلاص فنّي تجاه عملهم والمواهب الشابة التي ينتظر منها الكثير في الفترة القادمة.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد