لم تكن مشاهد علي ونازلي مجرد مشاهد رومانسية تمر وتنال استحسانًا وحبًا من المُشاهد فقط بل كانت حالة كلاسيكية عشناها على مدار شهر كامل وهي قابلة للتجديد في كل وقت، حلقات من الإثارة والمتعة من الأولى وحتى الأخيرة، شيء ما جعلنا نميل إلى العودة إلى زمن الرومانسية الجميل والحوار النظيف دون أي لفظ خادش.

وعلى الرغم من براعة أداء كل المُمثلين وبدون استثناء إلا أن النجاح تجسد في التعبير بأقل شيء حتى وإن كان مشهدًا صامتًا بالنظرات يكشف عن مدى عُمق المشاعر والتي كلما زادت كلما قلت القدرة على التعبير عنها بالتأكيد، وربما هذا أصدق بكثير من عبارات الحب والغزل المباشرة والواضحة، ولم يكن هذا يحدث دون أن تؤدي نازلي دورها بإتقان شديد، فأثبتت بشدة الفنانة أمينة خليل أنها الأنسب لهذا الدور الذي يبدو بسيطًا لكنه مُركب للغاية، فجاءت تعبيرات عينيها بطلا رئيسيا فى حب نازلى من قبل الجمهور، كانت أمينة صادقة جدا في مشاعرها وتحولاتها ورقة أدائها، وعذوبة الصوت والوجه كان بالطبع مُعبرا عن كل ما تعيشه هذه الشخصية الحائرة طوال الوقت في إدراك ما يدور حولها، أيضا جاء جمال أمينة وخروجها بهذا الشكل الرائع مُتشابها مع جمال المرأة في تلك المرحلة الزمنية من تاريخ مصر إلى حد كبير فلم أشعر ان ملامحها بعيدة عن نازلي الحقيقية.

عمرو يوسف كان مُتجددا ومُجتهدا، وفي هذا الدور عمل على أن يقدم ثوبا جديدا بعيدا عن أعماله السابقة التى كانت تدور في إطار الأكشن دراما، فكان حالما رومانسيا من الدرجة الأولى يشعل مشاعرنا جميعا عند حبه وتضحيته من أجل محبوبته سيدة الجراند أوتيل دون تكلف أو تصنع، بالإضافة إلى جانب شخصية علي الأخرى وحبه لأمين وصداقتهما الحقيقية التي تمنينا لو أنها توجد في واقعنا بتلك القوة والدرجة والمثالية ومدى تعامله مع شر ورد حبيبة صديقه وكشف مكائدها.

لا أستطيع إنكار دهشتي من قوة موهبة تامر حبيب والذي يعد من الكُتاب الاستثنائيين في مصر وفي هذا العمل تحديدا ليس فقط لقدرته على رسم شخصيات عمله بحرفية ودقة وسلاسة شديدة لكن أيضا لقدرته على الإمتاع والفصل بين طريقي وجراند أوتيل على الرغم من تقارب الحقبة الزمنية نفسها خاصة لتعاونه مع محمد شاكر خضير للمرة الثانية وهو نفس مخرج عمل طريقي، المخرج الشاب الذي استطاع أن يرسم لوحة فنية جميلة مكتملة ومختلفة على الرغم من عدم دراسته للإخراج، ويبدو أن حبييب يجذبه الحنين إلى هذه الفترة والتي عجز عن مقوماتها حتى وإن كان جراند أوتيل مُقتبسا من عمل إسباني لكن طريقي العام الماضي كان بداية لمتعة حقيقية متتالية يبدو أنها لا تنتهي سريعًا فهم يسيرون على خطى الثلاثي الناجح «مريم نعوم ونيللي كريم وكاملة أبوذكري» ولكنهم يحلقون في اتجاه اّخر وربما كانت هذه المعادلة الصعبة حتى لا يقع في فخ التكرار والملل فجاء هذا العام بشكل جديد كاسرا كل نجاحات طريقي بإبهار الجميع بالجراند أوتيل، فهو قادر على حفر مشاهد بعينها في الأذهان بحوار بسيط راقٍ بالطبع كأفلام فاتن حمامة وعمر الشريف.

ما فعلته أنوشكا كان «ملحميا» بكل المقاييس، هذه الفنانة التي لم تقدم كل ما لديها بعد ومازالت موهبتها تتفجر شيئا فشيئا مع كل عمل تقدمه تستطيع فيه أن تقفز إلى منطقة فنية أعلى مما كانت عليه من قبل، فأنوشكا هنا اكتشاف يجب أن نتوقف عنده كثيرا، فكيف لك ألا تحب «قسمت هانم» تلك المرأة الناعمة الغامضة في مظهرها صاحبة الأناقة والنفوذ والعقل المُدبر المتأجج بالشر والجبروت حتى تحصل على كل ما تريد فتعجز عن كرهها حتى وهي في أشد حالات الانتقام، وأتى جزء من نجاح أنوشكا في أداء نبرة صوتها المنخفضة وتعبيرات وجهها الهادئة والقوية فلم تر أبدا قسمت تخرج عن وقارها حتى وهي غاضبة أو مجروحة، فسيدة الكبرياء لا ينبغي لها ذلك.

أما عن الثنائي العذب محمود البزاوي وسوسن بدر كان لهما النصف الآخر من جمال اللوحة، الحب غير المكتمل على الرغم من نضوج طرفيه إلا أنه براق. أيضا اختيار أسوان تلك المدينة الساحرة كمكان لتجسيد ما يدور داخل أروقة الجراند أوتيل من حب ومطاردات ومؤمرات وهزائم وانتصارات وصعود وهبوط في مجرى الأحداث كان اختيارا موفقا ليس فقط لطبيعة أسوان المناسبة لكن أيضا لخروج المشاهد بتلك الصورة الجميلة والتي بالتأكيد لن تكتمل دون وجود تصوير ممتاز والذي أبدع فيه تيمور تيمور وإضاءة مناسبة وربما كان من أعظمها مشهد موت «دينا الشربيني» والذي شهد له مخرج العمل نفسه بأنه كان الأصعب من بين مشاهد العمل على الإطلاق.

وأكاد أجزم أن من شاهد هذا العمل لم يتمن ولو للحظة واحدة أن يعيش هناك وإلى الأبد ربما هروبا من واقع قبيح أو السفر عبر آلة الزمن لوقت اشتقنا جميعا له أو حقا من جمال الجراند أوتيل وما يحدث فيه لا أعلم لكن بالتأكيد شيء ما خطف قلوبنا جعلنا جميعا نتفق عليه دون اختلاف.

وإذا أردنا ان نتحدث عن الفنان الشاب محمد ممدوح فبالتأكيد لم يكن هناك أفضل منه قياما لهذا الدور، ذلك الممثل العملاق رغما عن صغر سنه إلا أن حجم موهبته كبير، الذي يبيكيك ويضحكك في نفس الثانية «أمين» الذي كنت تشعر بألمه تارة وتنهيدته من فرط رومانسيته عند حبه لورد وتارة أخرى مشفقا عليه جراء كل ما يحدث له من مكر وخديعة، أيضا دينا الشربيني كانت غاية في التألق في واحدة من أهم أدوارها والأكثر شرا في تاريخ الدراما المصرية وربما شكلت دويتو فني مميز مع الفنان الشاب أحمد داود أو «مراد» ومحاولاته المستمرة والدنيئة في إخفاء نزواته وجرائمه حتى يصل لغايته فيصبح مديرًا للجراند أوتيل ويحقق الزواج من ابنة عمه وحبه القديم نازلي.

عنصر الصورة كان مُبهرا لكنه كان لا يكتمل أبدا دون وجود عنصر الديكور والأزياء التي عملت عليها بجهد شديد المصممة ياسمين القاضي حتى تخرج كل البطلات بأناقة الخمسينات.

القديرتان رجاء الجداوي وشيرين لم أكن أتخيل الجراند أوتيل دونهما، فكانا يشكلان عنصرا جاذبا ومرحا على الرغم من قلة المشاهد التي شاركتا فيها، وإذا تذكرنا ندى موسى ومحمد حاتم «إحسان وآمال»، فكان لهذا الثنائي تنوعا وتضادا موازيا لعلاقة علي ونازلي المثالية بعلاقة آمال المستغلة تماما كوالدتها لزوجها المخلص «إحسان»، مضيفا إلى الإيقاع الذي تسري داخله صراعات أسرة أدهم حفظي وقسمت هانم مذاقا خاصا، و لا نغفل أبدا دور الممثل الشاب خالد كمال أو «الصاغ شريف» والذي قدمه بروعة أدائه وطلته المختلفة ولم يكن كل هذا ليكتمل دون موسيقى أمين أبو حافة التصويرية والتي كانت أحيانا هي البطل الرئيسي في مشاهد بعينها.

.

لم يبخل أي من طاقم العمل بإعطاء كل ما لديه حتى ينجح المسلسل بهذا الشكل، المباراة التمثيلية بين أبطال العمل كانت دون سقف وحدود، حقا وصدقا مهما تحدثنا جميعا يبدو أننا لا نستطيع أن نعطي العمل حقه لكن سنظل نستمتع به مرارا وتكرارا.

فليتنا نعيش في الجراند أوتيل

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد