«أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ» [المؤمنون: 115]، أم حسبتم أن ما يدور من حولكم من أحداث جسام هي وليدة صدفة أو خبط عشواء؟ أم حسبتم أنكم بسكونكم وتثاقلكم إلى الأرض، ربما تنعمون يومًا بالحرية والعدالة والسعادة والغنى عن الناس؟ أم حسبتم أن هؤلاء الذين يتجبرون في الأرض بغير الحق سيفلتون من عقاب الذي لا يظلم ولا ينسى؟ «وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ» [إبراهيم: 42] أم حسبتم أن معاناتكم وآلامكم وما ترونه من إذلال وتركيع هو محض ظلم لا يد لكم في أسبابه، أو أنكم بريئون جملة وتفصيلًا من تيسير السبيل للوصول إلى تلك الحال؟ أم حسبتم أنه يكفيكم الصبر والتحمل والانتظار حتى تزول الغمة وينقشع الغمام الذي ساد سماءكم، وأطل بسواده الكئيب على قلوبكم حاضرًا، وأهمكم عما يكون عليه حالكم مستقبلًا؟ تحسبون وتحسبون، لكن سنن الله في كونه لها حسابات أخرى.

إن هذا الكون بما فيه، لا يقع فيه شيء إلا بعلم الله وإذنه، وإن ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، لا صدفة في حوادث أو مجريات، لا عشوائية في الأٌقدار هنا وهناك، لا فوضوية في صعود فئة وهبوط أخرى، بل في كل ذلك قوانين وسنن لا تتغير ولا تتبدل، «فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا» [فاطر: 43]، قوانين صارمة وسنن ثابتة لا يحيد عنها أحد، ولا يخرج عن أحكامها مخلوق، يشمل الجميع قانون عام، يخضع له ويذعن كل كائن حي، إنسانًا كان أم غيره، تندرج تحته مراحل تكوين الإنسان في بطن أمه حتى يخرج إلى الحياة، تنضوي تحت لوائه كل الظواهر الكونية التي تدل على خالق الكون ومبدعه.

لا يمكن لبشر كائنًا من كان أن يغير من هذا القانون العام شيئًا أو يبدل، نعم يمكنه أن يوسع مداركه ويزيد معارفه بتفاصيله وجزئياته، لكن ذلك لا يخول له أن يتحكم فيه قدر ذرة، له أن ينظر ويشاهد ويتأمل، يستقرئ ويحلل ويحسب، ويجرب فينجح تارة ويفشل أخرى، ليستخلص من تجاربه الفوائد والعظات والعبر، لكنه يظل بهذا القانون العام محكومًا مقيدًا، يخضع له في تصرفاته وأفعاله وسلوكياته في الحياة، يخضع له في أحواله وما يترتب عليها بين رفاهية العيش وضنك الحياة، أو بين سعادة وشقاء، أو بين عز وذل، أو بين رقي وتأخر، أو بين قوة وضعف، «ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ» [الروم: 41]، وبعد كل ذلك وأهم منه وأعظم، بين نعيم الجنة أو عذاب النار، «كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ» [المدثر: 38].

ولهذا القانون العام وجهان كما ألمحنا، وجه تخضع له كل الكائنات من إنس وجن وحيوان ونبات وجماد، بما في ذلك كل مخلوق دق أم كبر، مما هو أدق من الذر وما كان من الأجرام السماوية العظمى. لا يحيد أي من هذا وذاك عن مفردات قانون الله له: «وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (38) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (39) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (40)» [يس:38- 40]، «وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ (13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (14)» [المؤمنون: 12- 14] فلا أنت تستطيع تغيير أطوار خلقك، ولا أنت تجرؤ على ادعاء إمكانية تغييرمسار الكون بأجرامه وأجسامه أو حتى شيء دقيق الحجم منه.

ووجه آخر من هذا القانون الكبير هو مجموعة سنن إلهية وقواعد ربانية تتعامل مع النفس البشرية الواحدة ومع الجماعات منها كذا الأمم. هي سنن تنظم علاقة النفس بما حولها، والمجتمعات في ما بينها، والأمم في قيامها وزوالها. هي سنن قد يصعب على الكثيرين فهمها وإسقاط أحكامها على الواقع المعاش، لكن الأريب من فطن لها ووفقه ربه لفقهها.

ولما كان الأمر كذلك، وجب على كل منا أن يراجع نفسه: أن يتفكر في حاله ومآله، أن يزن نفسه بميزان هذا القانون وتلك السنن، أن يقف مع نفسه وقفات يحدد فيها مكانه، ويشخص فيها حاله، ومن ثم يقرر ما يجب عليه أن يفعل، وليتذكر دائمًا أبدًا أن له يدًا شاء أم أبى في ما وصل إليه حاله، فلينظر في ما قدم، وليعتبر مما قصر فيه، وليتعظ بما حل به أو بغيره، وليصحح مساره في ما كان فيه من عوج، وليعلم أن نجاته من كل بلاء هو اللجوء إلى رب الأرباب ومسبب الأسباب سبحانه، وأن يعود أدراجه من طريق تأكد له أنه ليس السبيل المستبين، وليتقرب إلى ربه باتباع سننه وقوانينه، لتكون له النجاة في الدنيا والآخرة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار, السنن
عرض التعليقات
تحميل المزيد