كتبت من قبل مقالًا عن خُنفشاري التقيته في حوارية كنت طرفًا فيها، فأقحم نفسه في مضامينها وهو لا يفقه ألف بائها. فذكرت قصته لتسليط الضوء من خلال شخصه المقتحم لما هو خارج طوقه على عموم ظاهرة الخُنفشارية أو التعالم: «أضواءٌ على الخُنفشاري!».

هنالك شخصية مشابهة للخُنفشاري في سلبيتها الفكرية وأثرها الهدمي، وهي شخصية «المُذرقف» من الذرقفة التي نحت الأستاذ إبراهيم عتيق هواري اصطلاحها من لفظين هما: «الذر» ويعني في عامية الجزائر الفتى غير البالغ، ولفظ «مثقف». والمذرقف كما وصفته الكاتبة خولة مقراني هو الوجه الآخر للمثقف العربي الذي أُلصقت به صفة الذرقفة حتى لا يكون والمثقف في كفة سواءً».

ثم سطرت خولة عنه ومن كان على شاكلته: «مثقفو الأبجدية هم فئاتٌ مستفزّة، النّاظر إليها لا يدري كيف يتصرّف؟ أَيكتَفي برميِهم بنظرة احتقارٍ واشمئزاز لأنّ الخوضَ معهم في أيّ جدالٍ سيكون عقيمًا في كلّ الحالات، أم يتصدّى لهم بحُرقة المثقَّف الواعي الذي يغير على أمّته، فيَضعُ حدًّا للامبالاتهم بما حولهم».

ألقت الأقدار بعض الناس ممن اتصفوا بالخنفشارية والذرقفة في طريقي بالتأكيد، لكن لم يخطر في بالي أن ألتقي بمن يتصف بالعدرقة، ولهذا قصة تستحق أن تُروى!

انضممت مؤخرًا لمجموعة حوارية في «واتس آب» تهتم بقضايا الدين والفكر والسياسة، تحوي في عضويتها أصحاب درجات علمية رفيعة من فئة الدال، ومحاضرين، وباحثين، وعِدرقاوي!

وهو خُنفشاري سوداني معروف بجدلياته المتهافتة، منتسب للفكر والبحث في القرآن الكريم كما يقول. ومنذ دخولي للمجموعة التفاكرية لاحظت غرابة طرحه وتأويلاته لآيات القرآن الكريم، ورغم جنوحها منطقيًا وإبعاده النجعة بتفسيراته غير المسبوقة فالثقة طابع مميز له، بل أنه بعد اعتراضي على طرحه لأحد آرائه الغريبة، سجل لي تسجيلًا صوتيًا يقول فيه أنه سيرسل لي مبلغًا من المال تقدمة ونفحة منه لأشحن ما يكفيني من الرصيد لمشاهدة مقاطعه التي استفرغ فيها فقهه وبذلها بقناة «يوتيوب»!

فرددت عليه فيما طرحه من آراء سقيمة وبضاعة مزجاة، ثم دعوته لمناظرة علمية نحسم بها الجدل فرد بالموافقة مع تكفله بدفع أجرة التاكسي الذي افترض أنني سأحضر به إلى شخصه العليم! فقلت سبحان الذي أرانا العدرقة: «تبرع الخنفشاري بماله في سبيل نشر تعالمه العريض!».

منذ انضمامي للمجموعة قبل أقل من شهر التقطت خلال هذه الفترة عدة حوارات أثارها عِدرقاوي، وهذا استعراض لمباحث اثنين منها وهي مثال لافراغ قيمة الشحن فيما لا يُنتفع به بحق:

حواره عن فرعون:

طرح العدرقاوي الآية الكريمة من سورة يونس: فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً… في معرض المجموعة وقال حسب تأويله أن فرعون أنجاه الله بدنًا وروحًا، وأضاف أنه لا يصح اعتبار فرعون آية لمن خلفه إلا بنجاة روحه أيضًا، أي أن فرعون في حالة غيبوبة سريرية الآن!

تداخل الأساتذة في حوار حول هذا اللغط الذي تهيأ لعدرقاوي صوابه، فتطاول النقاش لأيام حتى أصبت بملل وأعراض شلل فكري! وأنا حديث عهد بالمجموعة، فتداخلت مع عدرقاوي بمداخلة ذكرت له فيها أن هذه الآية كانت سببًا في إسلام العالم الفرنسي موريس بوكاي، وفي إصداره لكتاب «العلم بين التوراة والإنجيل والقرآن» ففي الآية التي سلخها عدرقاوي إعجاز غيبي يغيب عمن كان مثل عدرقاوي الذين يخالفون ليعرفوا ويشتهروا حتى لو استدعى ذلك سياقة المعاني من خارج النص وحشرها فيه حشرًا!

ولم أهتم بالعودة للمجموعة لمعرفة رده على مداخلتي، فالنقاش الذي أثاره بالنسبة لي هو نقاش غير منطقي حد الدهشة، ولا قيمة تُرجى منه. ففرعون قد مات مع حفظ الله لبدنه لا روحه وذلك بنص القرآن في سورة غافر: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا ۖ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ. وهي من الآيات التي يُرد بها على من ينكرون عذاب القبر.

حواره عن الرسم العثماني

الحوار الثاني يمثل طرحًا أساسيًا من مكونات أطروحات عدرقاوي – هي أُضحوكات بالأحرى! – الذي يعتبر نفسه باحثًا في هندسة القرآن الكريم كما سطّر في حائطه بـ«فيسبوك»!

ويبدو أن لطش عدرقاوي لمسمى هندسة القرآن ناتج عن عدم إلمامه بأبحاث الإعجاز القرآني العلمية ثقيلة الوزن، ولو كلف نفسه بجهد النظر فيها لما واتته الجرأة لإلصاق لفظ الهندسة في حائط منشوراته ذات القيمة العلمية الصفرية. ويكفي أن أحيله إلى بحث الباحث في إعجاز القرآن د. محمد دودح «سرعة الضوء في القرآن الكريم» ليعرف أن باحثًا مثل د. دودح استخرج من آية واحدة صفحات من المعادلات الرياضية للبرهنة على تضمين سرعة الضوء في القرآن، وهي المحددة فيزيائيًا بأنها تساوي (299792.458 كم/ ثانية) وذلك عبر احتساب الباحث لها في برهنته وفق الحساب القمري للسنين ليصل إلى نفس القيمة المعروفة علميًا.

فهل تُعتبر أُضحوكات عدرقاوي عن الفروق بين الألفاظ (يكفرون، الكافرون، كفروا) التي ينظِّر لها في هوسه بالرسم العثماني هندسةً قرآنية؟

والأدهى أنه يتبرع بقيمة مالية لمن يناقشه، ولا تفسير لدي لهذه الظاهرة الخنفشارية الجديدة غير أنها قد تكون ناتجة عن تكاثر الخنفشاريين في مختلف وسائط الشبكة حتى توهموا أن ما يبذلوه من وهم علمي لم يكلفهم غير ما دفعوه لشركة الاتصالات، هو بالتالي يعني أن طرحهم للمتلقي تكفلهم بقيمة مشاهدة هذا الوهم يساهم في تزيينه ورواجه، ولا أدري ما المخبوء لنا في المستقبل إن كان الفهم قد فسد والعلم قد ابتلي إلى هذا الحد، وحقًا يبدو أن المثل العربي القديم قد صار اليوم في نسخته الحديثة: «عش رجبًا ترى عدرقةً!».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد