خلال شهر فبراير المنصرم قامت ولاية كولورادو برفع عريضة إلى الرئيس الأمريكي باراك أوباما حثته فيها على ممارسة الضغوط اللازمة على حكومة كوريا الشمالية لكي تفرج عن سفينة التجسس الأمريكية بويبلو وطالبته بإعلان يوم 23 من شهر يناير من كل عام عيدًا رسميًّا تحييه الولايات المتحدة وتقوم بتخليد ذكرى طاقم السفينة والمصير البطولي الذي لاقاه طاقم السفينة.

وتتلخص قصة تلك السفينة في أن قوات الكورية الشمالية احتجزت عام 1968 سفينة تجسس أمريكية تدعى بويبلو حيث كانت تقوم تلك السفينة بمهام تجسس في المياه الإقليمية الكورية الشمالية وتتنصت على المكالمات اللاسلكية بين وحدات الجيش الكوري الشمالي ونتج عن ذلك الاشتباك بين حرس الحدود الكوري الشمالي بالزوارق الحربية والطائرات مع طاقم السفينة الأمريكية وأسفر ذلك عن مقتل جندي أمريكي وأسر 82 جنديًّا آخرين، ويذكر أيضًا أن جميع الجهود الدبلوماسية أخفقت ولم تثمر شيئًا بعد الحادث في إقناع حكومة كوريا الشمالية بتحرير السفينة أو طاقمها، كما اضطرت الولايات المتحدة مرغمة تقديم الاعتذار الرسمي لحكومة كوريا الشمالية على انتهاك سفينتها بويبلو حرمة المياه الإقليمية لكوريا الشمالية، كما قدمت حكومة الولايات المتحدة آنذاك ضمانات خطية تعهدت فيها بعدم تكرار حوادث مماثله فيما بعد نهائيا.

وبعد مضي 11 شهرًا على تلك الحادثة أطلقت كوريا الشمالية سراح البحارة الأمريكيين تعبيرًا منها عن حسن النية ولكنها لم تفرج عن سفينه التجسس بويبلو لتصبح السفينة الأمريكية الأسيرة رمزًا صارخًا إبان الحرب الباردة يعبر عن حجم المجابهات والتوتر بين واشنطن وبيونغ يانغ. ولا تزال سفينة التجسس الأمريكية متواجدة حتى الآن في متحف يدعى حرب التحرير الوطنية بكوريا الشمالية حيث تعتبر كوريا الشمالية هذا المتحف بمثابة واحد من أهم المراكز التي تستخدمها حكومة كوريا الشمالية كوسيلة من الوسائل التعليمية التي تشرح فيها لطلبة المدارس والجامعات وترسخ في أذهانهم فكرًا مناهضًا لنهج واشنطن منذ نعومة أظفارهم حتى البلوغ.

وصفت بيونج يانج مطالبة واشنطن بإعادة سفينة التجسس الأمريكية بويبلو التي احتجزتها كوريا الشمالية في مياهها الإقليمية سنة 1968 بالمطلب السخيف مؤكدة استحالة إعادة سفينة تجسس اغتنمها المنتصرون بجهاز تجسسها الإلكتروني، ووثائقها السرية لواشنطن، ولازالت القوات البحرية الأمريكية تدرج سفينة التجسس بويبلو ضمن القطع البحرية التي تخدم بالقوات البحرية الأمريكية حتى الآن مما يعني أن احتمالية استعادتها غير مستبعدة على الإطلاق.

أعلنت كوريا الشمالية خلال شهر يناير الماضي نجاح تجربة قنبلتها الهيدروجينية التي تزعم أنها من الممكن أن تصل إلى كل من أمريكا وروسيا والهند، من خلال الصواريخ الكورية. في أوائل شهر مارس المنصرم أصدر كيم جون أون الزعيم الكوري الشمالي تهديدًا جديدًا للانتقام من القوات الأمريكية والكورية الجنوبية التي تقوم بعمل تدريبات عسكرية مشتركة بكوريا الجنوبية على كيفية عبور أحد الأنهار ولم يصرح الجانب الكوري الجنوبي أو الولايات المتحدة باسم هذا النهر الذي تجري التدريبات بالقرب منه ومن المرجح أن يكون نهر يدعى بنهر هان. من المعروف أن هناك عده انهار تمتد من كوريا الجنوبية مرورًا بنظيرتها الشمالية يستطيع كل منا رؤية ذلك عند الاطلاع على إحدى الخرائط التي توضح جغرافية شبه الجزيرة الكورية، فحسب آراء الخبراء العسكريين حول العالم أن توجيه ضربه نووية للولايات المتحدة لن يكون بالأمر الهين فهناك دروع صاروخية سبق وقامت الولايات المتحدة بنشرها في عدة مناطق بأوروبا وكوريا الجنوبية، ناهيك عن المدمرات البحرية الأمريكية والغواصات والفرقاطات المتواجدة في أكثر من مسطح مائي حول الكرة الأرضية مما يجعل عملية إطلاق صواريخ على العمق الأمريكى عملية باتت شبه مستحيلة.

عقب تهديد الزعيم الكوري الشمالي بأيام قليله ذكرت تقارير إخبارية عديده أن غواصة كورية شمالية فقدت وكانت الغواصة التي يجهل الجميع طرازها تقوم بمهام تأمين قبالة الساحل الكوري الشمالي في وقت سابق من الأسبوع قبل اختفائها، صرحت وسائل إعلام أمريكية نقلا عن مسؤولين أمريكيين بأن الجيش الأمريكي كان يراقب الغواصة الكورية الشمالية عن كثب بالإضافة إلى أقمار التجسس وطائرات الاستطلاع وقطع بحرية أمريكية كانت تقوم بمهام المراقبة أيضا بينما اختفت الغواصة لسبب غير معلوم ولم تؤكد التقارير الأمريكية فيما إذا كانت الغواصة قد تاهت في البحر أو أنها قد غرقت، مما يثير الشكوك حول أمرين أولهما أنه قد تكون الولايات المتحدة الامريكية قد استولت على الغواصة الكورية الشمالية للثأر مقابل احتجاز سفينة التجسس الأمريكية بويبلو من قبل الجيش الكوري الشمالي عام 1968. والأمر الثاني أنه قد تكون البحرية الكورية الشمالية تجري تجربة واستخدمت فيها تقنيات متطورة للشوشرة على الرادارات وأجهزة التنصت حتى تصبح الغواصات الكورية الشمالية غير مرئية لفرقاطات حلف شمال الأطلسي وبذلك تكون قادرة على الخوض في البحر والاقتراب من الساحل الأمريكي وشن حرب خاطفة.

فالغواصة الكورية الشمالية لم تصدر أي إشارة تحذيرية أو استغاثة أو طلبا للمساعدة من جانب الكوريين الشماليين، والأمر الثاني قد يكون أرجح وذلك لأننا تعودنا على حملة إعدامات من قبل الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون لأي شخص يقصر في عمله والغريب في الأمر أنه لم يقم بمعاقبة أي مسؤول بالقوات البحرية الكورية الشمالية حتى الآن مما يثير الشكوك حول صحة اختفاء الغواصة الكورية من عدمه وبذلك فهناك احتمالية حدوث مواجهات بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية.

من الملاحظ أن مسلسل الكراهية بين كوريا الشمالية والولايات المتحدة يتصاعد يومًا تلو الآخر، فالولايات المتحدة لن تنسى قتل حوالي 1000 جندي أمريكي كما هو مذكور بالتقارير الأمريكية في السجون الكورية عقب المناوشات التي وقعت بين كوريا الشمالية والولايات المتحدة أثناء الحرب الكورية، وعلى صعيد آخر تعودنا من الولايات المتحدة دائما على صناعة ألعاب الفيديو وأفلام الحركة التي ترصد إمكانية غزو الولايات المتحده من دول تتربص بها والمبالغة والمغالاة في ذلك الأمر ويأتي ذلك من خلال وضع سيناريوهات متوقعة ليست مؤكدة ونسج قصة وعرضها في صورة فيلم حركي أو لعبة فيديو وذلك من أجل تربية النشء الأمريكي على أن وطنهم مهدد دائًما ويجب الدفاع عن مقدساته، فالأيديولوجية السائدة لدى معظم الأمريكيين أنهم مستهدفون من قبل عده دول وأقرب دليل على ذلك لعبة فيديو استراتيجية تدعى Red Alert أو «الإنذار الأحمر» التي تتحدث عن وجود جيوش مناوئة لحلف شمال الأطلسي تتمثل في العراق وليبيا والاتحاد السوفييتي وعلى الجانب الآخر جيوش الحلفاء وتتمثل في الولايات المتحدة و فرنسا وبريطانيا وألمانيا وكوريا الجنوبية. بالإضافة الى لعبة تدعى the medal of honor  بأجزائها المختلفة التي تتناول أيضًا عمليات سرية ومعارك تخوضها الولايات المتحدة بكل بقاع الأرض زاعمة أنها من أجل إرساء قواعد الديمقراطية والقضاء على الإرهاب وغيرها من الألعاب التي تزيد من مستوى الحقد والكراهية بين النشء الأمريكي وشعوب العالم. هذا على صعيد ألعاب الفيديو.

وعلى صعيد الأفلام الحركية هناك أحد الأفلام أنتج عام 2012 يدعى Red Dawn أو «الفجر الأحمر» الفيلم من النوع الحركي أنتجته شركة «ميترو غولدوين ماير» عام 2012 وقام بإخراج الفيلم دان برادلي وكتبه المؤلف جيرمي باسيمور وكارل إيلسورث، اقتبس هذا الفيلم عن قصة فيلم «ريد داون» الذي أنتج عام 1984 الذي تحدث عن غزو القوات السوفييتية للأراضي الأمريكية بينما تحدث هذا الفيلم عن الغزو الكوري الشمالي لإحدى الولايات الأمريكية، وبهذا يأتي التساؤل حول هل سيستمر مسلسل العداء بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية على هذه الوتيرة كالحرب الباردة التي عاصرناها فيما مضى؟ أم أنه سيتم حسم كل تلك الأمور من خلال حرب غير تقليدية قد تودي بحياة الملايين من الأبرياء؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد