إن الأمة اليوم تحت وطأة متلازمات كابحة في طريق النهضة وتحديدها يعتبر في نظرنا بداية التحرر من قيودها، والحقيقة أنها إذا قارنَّاها بالقيود  المادية التي وضعها العدو على الأقطار الجغرافية، تعد غير مكلفة ماديًّا لكنها مع ذلك تعد أصعب وأشرس المعارك التي سنخوضها، وما ذلك إلا لأنها تتعلق بعدو لا نأبه له غالبًا.

هذا العدو هو «نحن».

وفي هذه الأسطر سأحاول الحديث عن بعضها من وجهة نظري لعل ذلك يفتح شهية العاملين المختصين لإفرادها بدراسات علمية دقيقة.

1- التغييب القسري للذاكرة

  • بحيث نبحث عن الحلول بعيدًا عن الخبرة التراكمية وبخلاف المنهجية القرآنية في التعامل مع أطراف الصراع كوصفه ليهود المدينة بقتل الأنبياء مع أنه جرم أجدادهم بوصفه مؤشرًا للبصمة النفسية التي تتأصل بتكرر الجرم وتراكمه من جهة، وأنه لا يمكن تجيير الصراع الأزلي بمعطيات الجيل الواحد.

فلا ينبغي بحال التعامل مع الصراع بوصفه حدثًا، ثم يُستغرق جيل كامل في تفاصيله ونفنيه دون أن يكون حلقة تراكمية وحلقة حيوية في إستراتيجيتنا ضد الباطل بوجهه المستبد.

2-الحصر الزاوي أو النظرة القطرية

  • فكيف نزعم تقديم حلٍّ للأمة دون معرفة أثره على مكوناتها النائية في أدغال آسيا وصحراء أفريقيا، ولا نبقي هامشًا حيويًا لهم في إستراتيجيتنا. إن الدخول بكل قدراتنا وحرق كل أوراقنا لسد نزيف واحد، وإن كان في القلب؛ لا يؤهلنا نحن المبتدئين في القيادة ناهيك أن نكون رموزًا للحل.

فمعرفة من نحن والمجال القيمي والجغرافي الذي نريد التمدد أو التأثير فيه ما زال يعاني ضبابية أدخلت الجميع في التيه.

 3-الهوية المربكة

  • وهي إشكالية كبيرة تبدو جليًا في طرح الكثير من نخب الأمة. إذ إلى اليوم لم يستطيعوا تقديم تصور كلي واضح للحل الآمن ولو نسبيًا خارج المنظومة الدولية الراهنة، على الأقل وفق ما تمليه طبيعة السنن.

وذلك يرجع أساسًا إلى اعتمادنا للهوية التي صنعها لنا المحتل لما حدد لنا الديموغرافيا والجغرافيا والثقافة، فكانت كل سقوف التغيير سجينة لهذه الهوية الهجينة، وأصبحنا ندير عبوديتنا لغيرنا ذاتيًا Self-slavery، واستراح عدونا من تعبيدنا بالسيفSlavery by force.

4- التراكمات النفسية

  • التجاذب النفسي بين ما شربناه من قيمنا وتراثنا وبين ما ورثناه من زينة القوم، أعني النظام الدولي في السنين المائة الماضية؛ جعلنا كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران له أصحاب، وجعل غياب تحديد أولوية العداء في الصراع متداخلة لدرجة أنه امتد إلى العداء الذاتي، حتى أصبح العدو اللدود هو التصور الذي نحمله ونعمل وفق مخرجاته لإدارة الصراع.

فعمليات الإخضاع التي تعرضت لها الشعوب المستضعفة من استبداد، وسجون، وفوضى، وحروب أهلية؛ تركت بصمات نفسية خطيرة للغاية. ولا شك أن العداء بين المدارس الإسلامية وتعدد الولاءات للكتل «الوطنية» ومظاهر التخوين والتسفيه والتشكيك، أبرز تجليات الأمراض النفسية التي أصبحت المرض العضال الذي يفتك بمشاريع النهضة التي تقدمها المدارس ذاتها والكتل والنخب.

5- مالك بن نبي والقابلية للاستعمار

إن طيلة 132 سنة التي عاشها الشعب الجزائري ومروره بكل العقد التي ذكرنا وأكثر، جعل المفكر الجزائري يبلور نظريته المشهورة «القابلية للاستعمار» لكني وبرؤيتي المتواضعة أرى أننا وصلنا لحالة نفسية ما كانت تخطر على مفكرنا الفذ، فقد أصبحنا بأدائنا اليوم بحقٍّ شعوبًا مغرية للمحتل ونفسياتها جاذبة للاستعمار.

نعم إنها «الجاذبية للاستعمار» وقدوم الأحلاف الغازية على حدودنا لم يجعل لنا قدرًا سوى كسر هذه المعادلة ولا مناص من أن ذلك سيكون داميًا وعنيفًا، لكنه لابد أن يخرج الدم الفاسد قبل أي علاج وفي سبيل ذلك ستسيل دماء طاهرة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الجاذبية
عرض التعليقات
تحميل المزيد