نبوءات النسبية العامة

افتتاحية

في تأثُّر بالِغ، طالع العالم الأمريكي كِب ثُوْرْن Kip Thorne صورة أينشتاين Einstein في سِجِل الصور، على هامش تلقيه جائزة «نوبل» في الفيزياء عام 2017 عن رصده، مع مجموعة من العلماء، للموجات الجاذبية التي تنبأت بوجودها النسبية العامة. كان قد مضى على كتابة معادلات أينشتاين 100 عام، قرن كامِل.. نعم، يحق لنا أن نندهش من روعة الرياضيات، وعبقرية أينشتاين.

الكون المُتمدد

جاءت أولى نبوءات النظرية النسبية العامة على يد القس الجزويتي وعالم الرياضيات بالفاتيكان، جورج لوميتر Georges Lemaître والفلكي الأمريكي إدوين هابِل Edwin Hubble، حيث أثبت الأخير مُستخدما الأرصاد الفلكية أن الكون يتمدد، بمعنى أن نسيج الفضاء ذاته يتمدد، كما قدَّم لوميتر حلًا لمعادلات النسبية العامة يُعطينا تصورًا عن الكون في الأمس البعيد، حيث كان حجمه أصغر فأصغر، وطاقته وكتلته هائلتين، وصولًا لليوم الذي ليس له قبل. ثم تتالت النبوءات المُبهِرة.

لكن قبل أن نمضي معا في تتبع النتائج التي ترتبت على النظرية النسبية العامة، لنتريث قليلًا، ونسأل: هذا الكون المُتمدد، إلى ماذا سيتمدد؟ في الواقع ليس ثمة «فضاء» أو «مكان» آخر ليتمدد إليه، وبالتالي فالكون به فعليًا كل المكان والزمان! كذلك، قد يُوحي لك التمدد بأننا في القلب، في مركز الكون، لكن هذا غير صحيح؛ إذ إن أي مكان في الكون يُمكن اعتباره مركزًا لما حوله.

نشأة الكون.. الانفجار العظيم

في أربعينات القرن الماضي، ظهرت نظرية الانفجار العظيم Big Bang theory، التي أعطتنا نموذجًا لنشأة الكون من نقطة هائلة الكثافة والطاقة، منذ 13 ألف و800 مليون عام، مُتمددة، وآخِذَة في البرودة. وقد لاقت فكرة النظرية رواجًا بين العلماء، وأيدها صحة تنبؤاتها عن كيفية تكوين الذرات من الجُسيمات، وأيضًا تكوين العناصر الخفيفة، بدءًا من الهيدروجين. كما أن النظرية حسبت بدقة درجة حرارة الكون الآن، بعد مرور آلاف الملايين من السنوات منذ النشأة الأولى، والتي عُرِفت فيما بعد باسم «خلفية الإشعاع الكوني»، وهي بالمناسبة أعلى قليلًا من الصفر المطلق، والمعني بها درجة حرارة الفضاء بين المجرات والنجوم. أما ما الذي سبب الانفجار العظيم، فتلك قصة أخرى، ما يزال علماء الكون عاكفين على دراستها.

الثقوب السوداء

ترجع البدايات الأولى للدراسات الرياضية على المجال الجذبي حول الكُتَل الكبيرة (كالنجوم)، إلى الفيزيائي الألماني كارل شفارتسشيلد Karl Schwarzschild عام 1917، حيث أشار إلى أن الكتل الضخمة ستنعصر تحت ضغط جاذبيتها الهائلة، وصولًا لحد حرِج (تم تسميته لاحقًا باسم: أُفُق الحَدَث Event horizon)، بعده لا يُمكن للكتلة إلا أن تنهار على نفسها أكثر فأكثر، فينشأ الثقب الأسود Black Hole، وهي التسمية التي أطلقها لاحقًا العالم الأمريكي جون ويلر John Wheeler على هذه الحالة الفيزيائية الغرائبية.

تنشأ الثقوب السوداء عند موت نجم عملاق، حيث ينفجر انفجارًا مروعًا، يعرفه الفلكيون باسم المُستَعِر العظيم Supernova، ولا يتبقى منه سوى نجم نيوتروني (مادته من النيوترونات فقط) هائل الكثافة، حتى أن ملء ملعقة شاي من مادته تزِن 5 آلاف مليون طن. مثل هذا النجم سينسحق أكثر فأكثر تحت تأثير الجاذبية، فينهار على نفسه مُكونًا ثقبًا أسود، حتى الضوء لا يستطيع الفكاك منه، وتُسمى نُقطته المركزية «المُفْرَدَة Singularity».

تصور أن لدينا نجمًا بحجم 10 أضعاف شمسنا، عند وفاته سيتبقى منه ثقب أسود له أُفُق حدث يُقدَر قُطْرَه بحوالي 30 كيلومتر. ولو تصورنا أن الأرض ستنسحق إلى ثقب أسود، فإن أفق الحدث لها سيكون في حجم حبة البازلاء!

لقد أجرى الفلكيون العديد من الأرصاد، لإثبات وجود الثقوب السوداء بطُرُق غير مباشرة؛ لكن في أبريل (نيسان) هذا العام، 2019، تم الإعلان عن تصوير ثقب أسود، يبعُد عن الأرض 500 مليون مليون مليون كيلومتر، في المجرة التي تحمل اسم M87، ويبلغ حجمه ثلاث ملايين ضعف حجم الأرض. باتت نبوءة شفارتسشيلد، المستنتجة من رياضيات النسبية العامة، حقيقة.

الزمن

لأن الجاذبية هي شكل الفضاء، التركيب الهندسي للزمكان، من ثم كلما تعاظم تأثير الجاذبية تباطأ الزمن وِفق النسبية العامة. وقد تم إثبات ذلك عام 1960 بالتجربة الشهيرة التي قام بها روبرت باوند Robert Pound وجلِن رِبكا Glen Rebka، حيث قاسا الفارق الزمني الضئيل بين ساعة ذرية موضوعة أعلى برج، وأخرى موضوعة أسفله (أي أكثر قربًا للأرض).

لم يعُد هذا التأثير غريبًا، بل إنه دخل في تطبيق تحديد المواقع بالأقمار الاصطناعية GPS، حيث يتم تصحيح الفارق الزمني بين ساعة القمر الاصطناعي، والساعات على الأرض، الأمر الذي من دونه كان نظام GPS سيُخطئ في حساب المواقع بفارق بضع كيلومترات كل يوم!

تُرى ما الذي يُمكن توقعه إن طبقنا هذه الخاصية للزمن على حالة الثقوب السوداء؟ تأتينا الإجابة سريعًا، يُمكننا – من الناحية النظرية – السفر إلى المستقبل!

تأثير العدسة

تنبأت النسبية العامة بانحناء ضوء أحد النجوم البعيدة، الذي تحجبه الشمس، عند مروره بجوارها. وعندما تم حساب مقدار ذلك الانحناء، قام آرثر إِدينجيتون Arthur Edington عام 1919 بقيادة بعثة في أدغال الأمازون لرصد الظاهرة في ظل حدوث كسوف كلي للشمس. وجاءت النتيجة مؤكدة صحة النسبية العامة، حيث رصد إدينجتون إزاحة في مواضع عدة نجوم عن مواضعها المعلومة في سماء الليل، حين تظهر دون تأثير الشمس في الفضاء حولها.

يُعتبر تأثير الانحناء جزء من ظاهرة أشمل، تُسمى «عدسة الجاذبية Gravitational lensing»، حيث يُمكن لتشوه الفضاء حول الكتل الكبيرة، كأحد النجوم، أن يَحنِي الضوء المار بجواره، ويُجَمِّعه في بؤرة، كما تفعل العدسة البصرية بالضبط. وقد تم رصد الظاهرة بالفعل عام 1979، حيث تم تصوير أحد الكوازارات (وهو القلب النشِط لمجرة بعيدة، ويظهر لمعانه بوضوح رغم بُعده السحيق عن الأرض)، فوصلتنا صورته مُزدوجة، بسبب مرور ضوءه بجوار أحد المجرات، حيث انقسم، وسار في مسارين.

موجات الجاذبية

لعلك تتذكر ما قاله نيوتن عن الجاذبية؛ من حيث إن تأثيرها لحظيًا، فلئن ماتت شمسنا الآن، سوف تضطرب حركة الأرض فورًا. وهذا كلام تنفيه النسبية العامة، التي تتنبأ بأن وجود المادة (كالنجوم) يَحْنِي الزمكان، كما أنها تتسبب في نشوء تموجات فيه عند حدوث اضطراب ما بها، بحيث تُنشئ فيه موجات ترتحل بعيدًا، مُتَعَامِدَة مع مصدر الاضطراب، وبسرعة الضوء. بناءً على هذا، لئن ماتت شمسنا الآن، لن تضطرب الأرض في حركتها إلا بعد مُضي حوالي سبع دقائق، وهو الزمن الذي ستستغرقه موجات الجاذبية للوصول للأرض، بسرعة الضوء.

لقد كانت حقًا لحظة باهرة لمجموعة العلماء الذين قاموا بتصميم تجربة لإثبات وجود موجات الجاذبية عمليًا، بعد مرور قرن كامل من تاريخ كتابة رياضيات النسبية العامة، التي تنبأت بوجودها. ذلك أنه في صباح يوم 14 سبتمبر (أيلول) عام 2015، مرَّ بالأرض موجات جاذبية نشأت من اندماج عنيف لثقبين أسودين وقع منذ حوالي 1300 مليون عام، حيث رصدها في الوقت ذاته جهازين عملاقين في الولايات المُتحدة الأمريكية، يحمل كل منهما اسمًا مُختصرًا: ليجو LIGO: Laser Interferometer Gravitational-Wave Observatory، أي مرصد موجات الجاذبية باستخدام مقياس التداخل في شعاع ليزر.

ثم تم رصد الظاهرة ثلاث مرات أخرى. وتلقى العالم الأمريكي كِب ثُوْرْن Kip Thorne، نوبل في الفيزياء عام 2017، بالشراكة مع زميليه في مشروع LIGO.

المادة المُظْلِمَة

في عام 1933، كان الفيزيائي الفلكي السويسري فريتز تسفيكي Fritz Zwicky يدرُس حركة بعض المجرات حول حافة سديم لأحد المجرات العملاقة. فوجئ فريتز أن ثمة مادة غير مرئية (قدرها بـ400 ضعف المادة المرئية، وكان تقديره مُبالغًا فيه كما تبين لاحقًا) تؤثر في حركة المجرات، دون إمكان رصدها بالرؤية. فقام بصك المصطلح: المادة المظلمة (Dunkle Materie (Dark Matter كوصف لها.

ثم قدمت الفلكية الأمريكية فيرا روبِن Vera Rubin في سبعينات القرن الماضي دليلًا آخر على وجود المادة المظلمة، أثناء قيامها برصد حركة دوران الأذرع الحلزونية للمجرات، وقدرت وجود مادة غير مرئية تساوي ست مرات المادة التي يُمكن رصدها بالرؤية.

للآن لا يعرف أحد طبيعة تلك المادة، ولا كميتها الفعلية. القدر المتيقن أنها ليست مكونة من ذرات، أو جسيمات؛ إذ لو كانت كذلك، لكان بإمكاننا قياس القوة الكهرومغناطيسية لها أثناء امتصاصها أو إشعاعها للضوء. على أية حال يبدو أنها مادة «خاصة» لا تتفاعل مع المواد المعروفة إلا بالتأثيرات الجاذبية!

الطاقة المظلمة

تنبأ لوميتر بتمدد الكون عام 1927، وأثبتته أرصاد هابِل. وقد أثار ذلك سؤالًا محوريًا في علم الكون: هل سيتمدد الكون باستمرار، أم أن التمدد سيقف في لحظة ما، ثم ينهار على نفسه بتأثير الجاذبية؟ تأتينا الإجابة سريعًا، بأن ذلك يتوقف على كمية المادة التي في الكون. مع ذلك، ثمة شيء آخر.

عندما قام بعض الفلكيون عام 1998 بدراسة سرعات المجرات البعيدة جدًا عن الأرض، وجدوا – على عكس التوقعات – أنها تبتعد عنا ببطء. ولأن هذه المجرات بعيدة جدًا، إذن صورتها التي وصلتنا توضح حالها عندما كانت موجودة بعد وقت بسيط من نشأة الكون؛ من ثم، لقد بدأ التمدد بطيئًا، ثم أخذ في التسارع، ولم تُفلح كمية المادة به لكبح جماح سرعة التمدد.

بناءً على ذلك، إن كانت الجاذبية تعمل على الحد من تمدد الكون، فإن ثمة شيئًا آخر لا يُمكننا رصده يعمل على تسارع تمدده. وتم صك المصطلح: الطاقة المظلمة للتعبير عن تلك القوة المُضادة للجاذبية، التي من شأنها أن تؤدي لنهاية باردة للكون، حين تصل درجة حرارته للصفر المطلق، فيموت كل شيء، بعد بضعة مليارات من السنين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد