تَأَمَلَ أرسطو Aristotle كيف يسقط كل شيء نحو الأرض، فآمن بأنها جميعًا تعود إلى «أصلها»؛ فالماء ينحدر نحو «مركز العالم»، والهواء يعلو الأرض، لخفته، والنار تعلو الهواء، لأنها أخف منه. تلك كانت فلسفة القرون الغابرة عن «العناصر الأربعة»، التراب، والماء، والهواء، والنار، حتى جاءت الحضارة الإسلامية، وبرز اسم محمد بن موسى الخوارزمي، الذي قضى مُعظم حياته في بغداد مُشتغلًا بالعلم في «دار الحكمة»، التي أسسها الخليفة العباسي المأمون، في القرن التاسع الميلادي (الثالث الهجري)، والذي ترك تُراثا علميًّا ضخمًا، تضمن فكرته الهائلة عن خضوع حركة الأجرام السماوية للقوانين ذاتها التي تخضع لها الأرض، مُخالفًا بذلك ميراث أرسطو، وسابقًا لنيوتن Newton؛ بل لقد كتب وصفًا أوليًّا يتشابه إلى حدٍّ بعيد مع معادلة نيوتن عن الجاذبية.

لمَّا نهضت أوروبا، باعثة تُراث الإغريق، ومستلهِمَة من حضارة المسلمين في الأندلس، كتب العالم الإيطالي جاليليو جاليلاِي Galileo Galilei صيغة رياضية يصف بها «تسارُع» الأشياء وهي في طريق سقوطها إلى الأرض، إذ لاحظ أن المسافة التي يقطعها الجسم الساقِط تتناسب مع مُربع الزمن الذي استغرقه؛ لكن ملاحظته الأهم كانت عن أن الأجسام، أيًّا كانت مادتها، سوف تتسارع بالمقدار ذاته أثناء سقوطها، أي إن قوة جذب الأرض للأشياء لها القيمة نفسها. لقد مضت قرون حتى جرى الإثبات العملي لملاحظته تلك، عندما جرب رائد الفضاء دافيد سكوت David Scott إلقاء مطرقة من الحديد، كانت بيده اليُمنى، وريشة طائر، كانت بيده اليُسرى، على سطح القمر، من الارتفاع ذاته، فوصلا معًا لأرض القمر؛ ذلك أن القمر ليس له غلاف جوي، ومن ثم لا تأثير يُعيق حركة ريشة الطائر، كما هو الحال على الأرض.

سواء أعجبتك قصة التفاحة التي سقطت على الأرض أمام نيوتن، فألهمته كتابة قانون الجاذبية، أم تراها أسطورة في تاريخ العلم، فإن القدر المتيقن، والثابت تاريخيًّا أن كتابة قانون للجاذبية ساقه إلى ابتكار فرع جديد في الرياضيات لم يكُن موجودًا من قبل، الذي نعرفه الآن إجمالًا بحساب التفاضل والتكامل Calculus. كما أن فكرته عن وِحْدَة قوانين الطبيعة، سواء بالنسبة للأرض أو أي جرم سماوي، كانت لا ريب ضربًا من العبقرية، ولعلك تذكر أنها كانت الفكرة ذاتها التي آمن بها الخوارزمي.

يقضي قانون الجاذبية لنيوتن بأن أي كتلتين، سيكون لأحدهما تأثير جَذْبِي، مُتبادل، في الآخر، بواسطة قوة غير مرئية؛ من ثم فالأرض تجذب التفاحة، والتفاحة أيضًا تجذب الأرض إليها، إلا أن تأثيرها لا يُذكر مُقارنةً بتأثير كتلة الأرض على كتلة التفاحة. وقد تتساءل، لماذا إذن لا يسقط القمر أيضًا على الأرض بقوة جاذبيتها؟ والإجابة ببساطة أن القمر في حالة «سقوط مُستمر» نحو الأرض، فلا يسقُط فعليًّا، ولا هو ساكِن لا يتحرك، وبذلك يصنع مدارًا شبه دائري حولها، يُسميه الفيزيائيون «السقوط الحُر»، وهي الحالة ذاتها التي ترى عليها رواد الفضاء في منطقة انعدام الوزن.

تعامل نيوتن مع الجاذبية على أنها قوة كامِنة في أي كتلة، قوة شد «جذب» مُتبادلة بين كتلتين. وهي تتناسب مع حاصل ضرب مقدار الكتلة الأولى في مقدار الثانية، مقسومًا على مُربع المسافة بينهما. بحيث تزداد الجاذبية بزيادة الكتلتين، أو إحداهما، وتقل كلما بَعُدَت المسافة بينهما. من ثم، يظهر ثابت التناسُب في معادلة نيوتن، أي ثابت الجاذبية Gravitational constant، الذي يُرمز له بالحرف G، إلا أن نيوتن لم يستطع معرفة قيمته وقتها.

لكن، هل حقًّا الجاذبية «قوة» ينتشر تأثيرها لحظيًّا عبر كل تلك المسافات الهائلة في الفضاء؟ هل إذا ماتت الشمس الآن، ستضطرب حركة الأرض فورًا؟ وهل يُمكن عد «قانون» نيوتن عن الجاذبية قانونًا كونيًّا يسري على الفضاء، وما فيه؟ للإجابة عن هذه الأسئلة، استلزم الأمر مرور أكثر من قرنين من الزمان، ومولد عبقرية مُلْهَمَة، استلزم الأمر أينشتاين Einstein.

في عام 1905م، أرسل أينشتاين ورقة بحثية بعنوان «النسبية الخاصة» إلى مجلة «حوليات الفيزياء»، التي كان يترأسها وقتها العالم الألماني الكبير ماكس بلانك Max Planck، الذي ما إن أتم قراءتها حتى قال: لقد انتهت الفيزياء التي نعرفها!

افترض أينشتاين في بحثه أن كل حركة في الكون نسبية، بحيث لا يُمكن ابتكار تجربة تُنبؤنا عما إذا كنا ثابتين، أو نتحرك بحركة مُنتظمة «لعلك لاحظت ذلك من تجاربك الحياتية؛ إذ أتت عليك لحظة وأنت على متن سيارة أو طائرة تتحرك بسرعة منتظمة، لم تستطع تمييز ما إن كانت واقفة أو متحركة». كما افترض ثبات سُرعة الضوء لأي مُراقِب له، مهما بلغت سُرعته. فلو تخيَّلنا أني قد أرسلت ومضات من الضوء إلى الفضاء، وانطلقت أنت بصاروخ موازٍ في حركته للضوء، وبسرعة تُقدَّر بحوالي 99% من سرعة الضوء. وِفق فرضية أينشتاين، ستجد أن سرعة الضوء، الذي يسبقك بفارق 1% فقط زيادة على سرعتك، كما هي: 300 ألف كيلومتر في الثانية! ولن يكون لهذا الأمر تفسير سِوى أن الزمن يمُر بطيئًا بالنسبة لك وأنت على متن الصاروخ مُنطلقًا بتلك السرعة الهائلة.

الزمن يتباطأ إذن عند السرعات العالية. من ثم تُعلمنا النسبية الخاصة أن من يتحرك بسرعة كبيرة لا يُمكنه التعامُل مع الأبعاد المكانية الثلاثة بمعزِل عن الزمن، بل عليه أن ينظُر إلى العالم برؤية رُباعية الأبعاد، تكون فيه الأبعاد الأربعة مُجرد وجهات نظر، بحيث لن يتفق اثنان يتحركان بالنسبة لبعضهما على المسافات المقطوعة، أو الفترات الزمنية المُنصَرِمَة بين حدثين. أما إن دمجنا الأبعاد الأربعة، فإنهما سيتفقان في قياساتهما للزمكان Spacetime، أي الزمان والمكان معًا.

فكرة أينشتاين السعيدة

اقتصرت النسبية الخاصة على دراسة الحركة بسرعة مُنتظمة، لكنها لم تتعرَّض لحالة التسارُع. حتى واتته أسعد أفكار حياته، كما قال بنفسه، عندما لاحظ التشابُه بين الإحساس الناشئ عن قوة الجاذبية، وذلك الناشئ عن التسارع. ذلك أن شعورك بالتثاقُل داخل مصعد في عمارة، أو صاروخ يتحرك في الفضاء، يُماثله الشعور بالتثاقُل بسبب الجاذبية الأرضية وأنت داخل الصاروخ على منصة الإطلاق ولمَّا يتحرك بعد. أطلق أينشتاين على هذا التشابُه: «مبدأ التكافؤ»، لقد قادته فكرته تلك لوصف الجاذبية بطريقة ذهبت لأُفُقٍ بعيد، مُتجاوزةً أعمال جاليليو ونيوتن.

الجاذبية.. شكل الفضاء

في حين تَصَوَّرَهَا نيوتن على أنها قوة، افترض أينشتاين أنها شكل الفضاء نفسه؛ إذ ينثني ويلتف بسبب الكُتل الموجودة به، كالأجرام السماوية. بمعنى أن الكُتلة تُسبب انحناء الزمكان، انحناء الفضاء ذاته. وعلى أساس هذا التصوُّر، جاءت النظرية النسبية العامة بنتائج مُذهِلة.

نشر أينشتاين النظرية النسبية العامة عام 1915، مُتضمنة مُعادلاته الفخمة عن المجال Field Equations، التي تصف روابط عميقة بين المادة والطاقة والمكان والزمان، وبلغت حدًّا كبيرًا من التعقيد الرياضي، أبعد بمراحل عن معادلة نيوتن البسيطة عن الجاذبية؛ حتى إن أينشتاين كتب لصديق له أثناء عمله، أن رياضيات النسبية الخاصة كانت لعب أطفال قياسًا على النسبية العامة. وسرعان ما انتشرت النظرية حول العالم، وبدأ أينشتاين، وكثيرون غيره، يعملون على تطوير المعادلات كي يُطبقوها على الكون بأكمله، وكان ذلك إيذانًا بميلاد علم الكون Cosmology، الذي يبحث في حجم هذا الكون وشكله ومولده ومآله، وما فيه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد