هل تَعْرِف الجاذبية (Gravity)؟ حسنًا، هو ذاك المصطلح العلمي، الذي يُعبر به عن ثبات ما على كوكب الأرض من أحياء وجمادات على سطحه.

أهذا كل ما تعرفه عن الجاذبية؟ إذن تأكّد أنك لا تعرف شيئًا.

المعنى الجزئي للجاذبية يُختصر في الحركة الاستقطابية، أو التَّساقُط الكمّي، الذي يعني ببساطة حركة الأشياء المادية الحسّية حول قُطْب يكون بدوره ماديًا.

لكنّ الجاذبية أيضًا تهيمن على عالم المعاني والتّصورات بنفس سيطرتها على عالم المادة!

كيف ذلك؟

«الجاذبية».. التي ربما يعلمها غالب البَشر؛ تظل لغزًا محيرًا من ألغاز هذا الكون الرهيب، فالجاذبية تكاد لا تترك مجالا إلا وتجدها حاضرة فيه بقوة، فمن أصغر جزيء إلى أعظم أجرام فضاء الكَون تلعب الجاذبية دورًا رئيسًا في استمرار الوجود المادي والمعنوي للحياة. إنها خيط مشترك رفيع لا تراه، وهي موجات عظيمة في الآن نفسه لا يُحاط بها.

توصّل العِلم مؤخرًا إلى أن كل أجسام المادة تدور حول بعضها البعض في مجالات ثابتة نسبيًا، سواء في أحوالها الكلية أم في جسيماتها الجزئية؛ حتى أن بعض النظريات الحديثة -مثل نموذج «بور»- شبّهت تمامًا ما يحدث في دورانات جزيئات المادة -بأبسط صورها- بعملية انتظام أجرام المجموعة الشمسية في مساراتها الدورانية حول الشمس.

بسرعات مختلفة، تدور الأرض حول محورها، ويدور القمر حول الأرض، والمجموعة الشمسية ككل تدور حول مركز المجرة، والأخيرة بدورها تحوم بسرعة هائلة حول مركز آخر لأفراد عائلتها المجرّية بسرعة عصيّة حتى عن التّصوّر، كأنها معزوفةٌ أوركستراليةٌ منضبطةٌ ومتقنةٌ، هادئةُ اللحن عظيمة المشهدِ!

والآن، دَعْني أصطحبك في جولة صغيرة ومدهشة، ولكن أرجو أن تطلق عنان الخيال إلى آفاق لا نهائية، ولو لعدة دقائق تستغرقها قراءة كلماتي هذه.

الجاذبية تُوحِّد الكونَ.. وتمزّقه أيضًا

الجاذبية هي واحدة من أشد الأفكار -التي أدركها العلم- وضوحًا وغموضًا معًا، وهي صديقنا وعدونا، وادعة وشرسة، مُخيفة وأليفة، بسيطة ومعقّدة، هي الشيء ونقيضه في ذات الآن.

ببساطة، إنها تتغلغل في كل شيء، حسّيًا كان أو معنويًا. تؤدي الجاذبية دورها في كل الأحوال؛ ليعزف الكَون وما عليه سيمفونية واحدة، ولتتشابه أعظم الأجرام السماوية حجمًا مع أدقِّ أحجام المادة المِجْهَرية! وحتى الإنسان والحيوان والجماد تشدّه الجاذبية فيقع في أسرها من دون أن يدري، وما عساه أن يفعل حتى لو دَرَى.

الولد يقع في جاذبية أبَوَيه، الأخيران في مجال جاذبية أبنائهم، الأسرة في مسار العائلة، الأخيرة في مدار القبيلة، سلسلة لا تنتهي. أفلاكٌ تشبه مسارات أجسام الفضاء في حركة جاذبية الكَون.

الأفكار أيضًا تسبح في أفلاك معنوية، ننجذب إلى الماضي وندور في فُلكه، وبعضُنا ينجذب إلى المستقبل ويدور في فُلكه. الأنبياء ماتوا ورسالاتهم حيّة، أشخاص فنِيت ولا تزال أفكارهم ونظرياتهم حاضرة في مخيلة البشر. يعيش طائفة من الناس سعداء بنوع من الأفكار والمعاني، وصلوا إلى النسبة الملائمة من الجاذبية، وهناك أناس في تيه أفكارهم تعساءُ، وربما أهلكتهم أفكارهم، ونظرياتهم فذرَوا كما تذرو أوراق الشجر.. وبين هؤلاء وأولئك تتواصل السيمفونية.

يهودية ومسيحية وإسلامية، بوذية وزرادشتية وسيخية وأخرى، أمم شرقية وأخرى غربية، رأسمالية وشيوعية، يمين ويسار، مُحَافَظَة وتَحرُر… مسلسل فكري سرمدي، لا ينتهي. كلها نظريات وأفكار وخيالات، مات عنها أصحابها؛ ولكنّ مجالات جاذبيتها مستمرة، يدور أتباعها حولها، كلٌ بحسب قوة الجذب وحجم التأثير.

في ذات عقود من الزمن، انقسم العالم إلى كتلتين عظميين: دولٌ تتبع القطب الشرقي- الاتحاد السوفييتي، وأخرى غربية تدور في فُلك أمريكا. الاتحاد السوفييتي وأمريكا شكّلا قطبين كبيرين لجاذبية الدول ذات قوة «شدّ» أقل، ومن ثم هامت تلك الدول في مسارات جاذبيتها بصورة أشبه من لحركة الأجسام في النظام الشمسي!

حتى الحيوانات لها نصيب من الجاذبية، إنها تقع في مجال جاذبية من نوع آخر، تتحرك على الأرض في مسارات بحثًا عن الماء أو الكلأ أو الدفء أو الزواج. شكلٌ من أشكال الجاذبية يتمخض بحثًا عن «الحياة»، وربما تصادف الهلاك في أهوال تلك الرحلات: مخلوقاتٌ بريّة في أقاصي الأرض وأحراشها النائية، وأخرى في بطون المحيطات والأنهار، تهاجر هجرات عظمى، تستغرق بعضها سنين بل عشرات السنين، إنها رحلات ذات مسارات تجاذبية، تؤديها الحيوانات تلقائيًا من دون أن تدرك، حركةٌ مستمرةٌ متواصلةٌ تُكمل الترنيمة الكونية في أحد جوانبها.

النِّسبة الحاسمة

الجاذبية، كما تُميت، تُحيِي!

ماذا لو زادت معدلات الجاذبية في النظام الشمسي؟ وماذا لو قلّت قوةُ الجاذبية فيه؟

العلم قطع الإجابة: يحترق كوكب الأرض ثم تبتلع الشمسُ الأرضَ تمامًا! وإذا قلّت الجاذبية، تنفرط المجموعة الشمسية، وتدخل الكواكب إلى مجالٍ آخرَ بجاذبية الكون؛ لتهيمَ وتسبحَ في الفضاء بلا حدّ أو حاكم لها!

جاذبية الأجسام -فيزيائيًا- تحكمها قوانين رياضية شتى، وتتداخل عوامل -مثل: الكتلة، والحجم، والمسافة، والسرعة- في تحديد «النسبة الحاسمة» من قوة الشَّد التي تُبقي على سلامة جسمين منجذبين، وحدَها «النسبة الحاسمة» هي سر بقاء الأجسام والأفكار والعلاقات دون أذى أو هلاك!

نُطلق لفظة «المجذوب» على مَن جذبته فكرة الزّهد بشدة؛ فذهب إلى فاصل عن الحياة!

يتوقف وصفُكَ بـ«المتهاون» أو«المعتدل» أو«مُتشدد» على نسبة انجذابك إلى فكرة ما، وعلى وقوة «شدّ» الفكرة، قد تكون هذه النسبة سبب نعيمك، وقد تأتي وبالًا وهلاكًا عليك وربما على البشرية.

يا إلهي! يُفخخ إنسانٌ نفسَه ويفجّرها في أخيه الإنسان؛ انجذابًا إلى فكرة ومعنى، بينما هو هو الإنسان يتفنن في تدشين المحميات الطبيعية لحماية قيمة «الحياة» من الانقراض، أو يربّي كلبًا أو يهوى اقتناء النباتات؛ انجذابًا لسرِّ الوجود، الانجذاب إلى الفكرة دفعت الإنسان لهذه النقيضة الصارخة، ولكنّ «مُعدّل الشّد» كان مُوجّهًا مرة إلى التعاسة والتدمير، ومرة إلى بهجة البقاء!

والمُحبّان يلتقيان في مدار الانجذاب، يحلو للبعضِ وصفها بـ«الكيمياء» قد تفاعلت بينهما؛ لكنّها الجاذبية، تشدُّ أحدهما إلى الآخر في مسار منتظم، تسير الجاذبية بينهما في معدّل «النّسبة الحاسمة» لتخلق علاقة حُبٍ نموذجية. أو تتطرف الجاذبية فتدمّر العلاقة إلى غير المعقول بانفصام قوة التجاذب بينهما؛ فتزول الحميمية، أو بتسارع وتيرتها؛ فيحدث الصِّدام. بالضبط كما لو زاد معدّل الجاذبية بين الشمس والأرض، تقترب الأرض من الشمس أكثر؛ فتحترق!

الجاذبية إذن إحدى القِوى الحاكمة للحياة -والموت أيضًا- في هذا الكون الرّهيب، تتسربل إلى كل الموجودات على كوكب الأرض، وتتمدد إلى المادة بقدر ما تُصيب المعنى، إنها لغزٌ محيّر، وفكرةٌ بسيطة في آن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد