17 رمضان من السنة الثانية للهجرة تاريخ مقدس ونقطة تحول دراماتيكية على عدة مستويات دينية، سياسية، اقتصادية وعسكرية، فقد شكلت معركة بدر الكبرى الموافقة لهذا التاريخ القطيعة الإبستمولوجية والأنطولوجية في الفكر والتاريخ الإسلامي لما كان لهذه المعركة من تداعيات على حال الموحدين مع رسول الله عليه الصلاة والسلام، إذ انتقلوا بموجب هذه المعركة من حالة ضعف إلى موضع قوة، وهو الأمر الذي يدفعنا لمحاولة تقديم قراءة جيوبولتيكية لهذه المعركة الشهيرة وفق المناظير الحديثة والمعاصرة ووفق المنطق الاستراتيجي والعسكري.

لقد لعب العامل الاقتصادي دورا بارزا في سير معركة بدر الكبرى كما يلعب هذا العامل دورا بارزا في حروب اليوم وهو ما تأكده العديد من الدراسات، فقد وصلت أنباء لرسول الله عليه الصلاة والسلام عن مرور قافلة تجارية لقريش قادمة من الشام قوامها ما يقارب 1000 بعير يحرسها أربعين رجلا بقيادة المحنك أبو سفيان بن حرب، والذي تولى قيادة قوافل قريش لما يمتلكه من دهاء اقتصادي وشجاعة وحنكة عسكرية وهو الأمر الذي أهله لهذا المنصب الرفيع بمصاف وزير للتجارة اليوم وليس لجاه أو محاباة تم تقليده ذلك.

في هذا الجو المشحون بين رسول الله عليه الصلاة والسلام وقريش قرر عليه الصلاة والسلام السيطرة على قافلة قريش لرد الاعتبار لأصحابه الذين صودرت ممتلكاتهم في مكة وسلبت أموالهم من جهة، وضرب قريش في مقتل وهو العصب الحيوي المتمثل في التجارة وهو ما سيضعفها حتما، وهنا تبرز مكانة العامل الاقتصادي في المعادلة العسكرية منذ الأزل، وهو الأمر الذي يدفعنا للتساؤل اليوم عن مصدر النظريات والمقاربات المفسرة للحروب وحتى جانب التخطيط فيها، إذ شكلت المدرسة المحمدية خزانا لجل هذه الطروحات الاستراتيجية اليوم، كما تظهر أهمية خطوط التجارة ومدى الجدوى في السيطرة عليها، فقد شكل خط الشام-المدينة المنورة-مكة أكبر الخطوط التجارية أهمية وحيوية وبالسيطرة على هذا الخط تصبح مكة منطقة معزولة عن العالم الخارجي مما يفقدها مكانتها السياسية والاقتصادية والدينية لدى القبائل والمناطق الأخرى.

شكل الرسول صلى الله عليه وسلم كتيبة متكونة من 314 رجلا معهم سبعون راحلة أو إن شئت قل ناقلة جند، يتداول الثلاثة منهم على البعير الواحد وذلك لضعفهم الاقتصادي لم تكن لهم القدرة في توفير العدد الكافي، وخرجت الكتيبة كلها إيمان وعزيمة بالغنيمة يتقدمها القائد الأعلى للقوات المسلحة خير الأنام محمد عليه الصلاة والسلام قاصدة آبار بدر على بعد 155 كلم من المدينة المنورة و310 كلم من مكة المكرمة، وكان اختيار المكان غاية في الدقة وينم عن ذكاء القيادة وحنكتها، كون المسافة التي تقطعها قافلة قريش ستكون بحاجة إلى الماء وهو ما سيحتم على أبو سفيان وضع آبار بدر على خطة سيره وهو الأمر الذي اعتاد عليه القوافل التي تسلك هذا الخط وهو ما كان مبرمجا فعلا.

في الجهة المقابلة ولما يمتلكه من حس أمني وذكاء استراتيجي كان أبو سفيان يسير فرق الاستطلاع قبل تحرك القافلة، وكان يستطلع أخبار رسول الله عليه الصلاة والسلام بالتحديد لأنه كان يعتقد بأنه ستكون لهم ردة فعل لا محال لما لاقوه من عذابات من قبل قريش، وهو الأمر الذي وفق فيه باكتشاف خبر خروج محمد عليه الصلاة والسلام للاستيلاء على القافلة، الأمر الذي دفعه ليطلق صفارات الإنذار لقريش ممثلة في ضمضم بن عمرو الغفاري بعد أن مزق ثيابه وجدع أنفه ليثير نعرة قريش ويحرك غريزتهم في القتال، في الوقت نفسه عدل أبو سفيان خط سير قافلة قريش متجها بها نحو الساحل مستغلا في ذلك خبرته لطبوغرافيا الأرض.

أعلنت حالت الطوارئ في مكة فشكلت قريش قوة قوامها ألف مقاتل بمعدل سبعمائة راحلة، وهو عدد رهيب في ذلك الوقت، ورغم ورود المعلومات لهم بأن أبو سفيان قد غير مسار القافلة إلا أن قريشا بزعامة أبو جهل عمرو بن هشام رأت في ذلك فرصة للقضاء على الدعوة المحمدية لا يمكن تضييعها فأصروا على قتال الرسول عليه الصلاة والسلام الذي لم يخرج لقتال بل خرج للسيطرة على القافلة التجارية فكان ميزان القوى مختلا بل لا يمكن تقديم أوجه للمقارنة في الفروقات.

بعد ورود المعلومات للرسول عليه الصلاة والسلام بأن القافلة قد غيرت مسارها وأن قريشا قد شكلت جيشا لقتاله تيقن عليه الصلاة والسلام بأن القتال واقع لا محال فدعى صلى الله عليه وسلم إلى عقد اجتماع طارئ، وكان الهدف والغاية من هذا الاجتماع عدة نقاط نذكر منها: المشورة حتى يشعر الرسول عليه الصلاة والسلام أصحابه أنهم شركاء وأنه غير مستبد وتطمأن قلوبهم للقتال، أضف إلى ذلك وهي أهم نقطة في الاجتماع، أن القوة التي شكلها عليه الصلاة والسلام  للسيطرة على قافلة قريش تضم عددا من الأنصار ما يقارب 230 رجلا وهم قد بايعوا الرسول على حمايته ومنعه وليس على القتال وبالتالي كان على الرسول عليه الصلاة والسلام أن يأخذ برأيهم، فقال عليه الصلاة والسلام (أشيروا علي أيها الناس)، فقال الصحابي الجليل والقيادي البارز في صفوف الأنصار سعد بن معاذ «والله لكأنك تريدنا يا رسول الله» قال «أجل»، قال: فقد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فأمض يا رسول الله لما أمرت، فو الذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدوا غدا وإنا لصبر في الحرب صدق في اللقاء، ولهل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله».

فكان رد الفعل هذا دافعة قوية لهذه الكتيبة قليلة العدد كيف وقد صدر من قائد ميداني بارز اسمه سعد بن معاذ، ولكي تطمأن نفوس الجند بث فيهم رسول الله رسالة سيكولوجية قوية بقوله (سيروا وابشروا فإن الله تعالى وعدني إحدى الطائفتين).

نزلت كتيبة رسول الله عند آبار بدر وكان للحباب بن المنذر رأي فقال يا رسول الله «أمنزلا أنزلكه الله أم هو الرأي والحرب والمكيدة» قال عليه الصلاة والسلام «بل هو الرأي والحرب والمكيدة»، فقال الحباب بن المنذر فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء القوم ننزله ونغور (أي نخرب) ما وراءه من الآبار فنبني حوضا نملأه فنقاتل عليه القوم نشرب ولا يشربون، فقال عليه الصلاة والسلام «لقد أشرت بالرأي» واستجاب لنصيحة الحباب بن المنذر. فالمتأمل في هذا الحوار الاستراتيجي يتوقف عند نقاط مهمة في علاقة القائد بالجنود، فهذا الحوار رسالة قوية تعبر عن مدى متانة الرابطة بين محمد وأتباعه ويظهر بشكل جلي منطق العقل والمنطق العسكري الذي كان حاضرا بقوة، ومدى الصلابة الإيمانية التي يتمتع بها مقاتلو كتيبة رسول الله إذ استفسر الحباب هنا هل هو أمر الله أم حيثيات عسكرية فلو علم أنه أمر الله لما عارضه، ويظهر هذا الحوار فصل من فصول مرونة الرسول الكريم في التعامل مع أصحابه.

وكان هذا الاختيار لنقطة الآبار وفكرة الحباب بن المنذر درسا عسكريا يدرس في أعتى المعاهد اليوم، فكل الدراسات الحديثة والمعاصرة تتحدث عن دور الماء في الحروب وكيف ستتحول هذه المادة الحيوية إلى مصدر للحروب في المستقبل، وكانت فكرة الحباب سديدة بترك الماء في مرمى نيران كتيبة المسلمين كون جيش العدو (قريش) سيكون فاقد لهذه المادة الحيوية وأثناء سير المعارك سيتقدم إلى هذه البئر الوحيدة للحصول على الماء وهو ما سيحوله إلى صيد سهل لنيران المسلمين.

ولم تقتصر الدروس الاستراتيجية في معركة بدر على الماء فقط، بل كان لرأي سعد بن معاذ درسا آخر بقوله «يا نبي الله ألا نبني لك عريشا تكون فيه ونعد عندك ركائبك، ثم نلقى عدونا»، وقد قبل عليه الصلاة والسلام برأي سعد وبتم بناءا مركزا للقيادة العسكرية في ربوة مطلة على ساحة المعركة، وهو الأمر الذي يوحي بدلائل استراتيجية لا يمكن تجاهلها، فمركز القيادة الذي يكون في خلف صفوف القتال سيكون هدف المشركين ويكون قوة دافعة للمسلمين للذود بقوة على رسول الله، أضف إلى ذلك احتلال المناطق المرتفعة ويكون العدو في المنطقة المنخفضة وهو ما يحوله إلى هدف سهل للرماة والمشاة كذلك كون المسلمين لا يملكون قوات محمولة.

بهذه المناظير تشكل مسرح العمليات بتوزيع دقيق من قبل القائد الأعلى لكتيبة المسلمين الرسول صلى الله عليه وسلم والذي أعطى الاشارة لقوات الرمي بتوجيه سهامها من أجل خلخلة صفوف العدو وتكبيده خسائر كبيرة قبل أن يعطي الاشارة للمشاة بالسيوف، فكانت معركة غير متوازنة عسكريا إلا أن قوة الإيمان انتصرت في النهاية.

فكانت من نتائج هذه المعركة الكبرى أن قتل من المسلمين أربعة عشر رجلا وقتل من قريش سبعون وأسر سبعون آخرون وغنم المسلمين أموالا وغنائم كثيرة، إلا أن تداعيات المعركة لم تقتصر على هذا الحد بل كانت أكبر بكثير، فقد أصيبت قريش في مقتل وهو عزتها بأنها القوة التي لا تقهر إذ تهاوت أمام بضعة مقاتلين وأصبحت في شبه الجزيرة العربية مجرد قوة هلامية لا يعتد لها، وذاع صيت الرسول عليه الصلاة والسلام في المنطقة وأصبح المسلمون مهابو الجانب تخافهم القبائل، وقد استطاعوا السيطرة على خطوط التجارة بين مكة والشام وتطويق قريش اقتصاديا مما اضطرها للبحث عن طرق بديلة.

بهذا تكون معركة بدر الكبرى درسا استراتيجيا بحق لما حوته من نظريات ومقاربات تدرس اليوم تحت مسميات مختلفة، ونحن اليوم بحاجة لمثل هذه الدروس من السيرة النبوية والتي تشكل ركيزة أساسية لنهوض الدول وبناء أمنها القومي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

بدر
عرض التعليقات
تحميل المزيد