ومن مِنا لم يطلع يومًا بشرفته ناظرًا إلى النجوم في السماء متسائلاً عن مكانه في هذا الكون، وكيف نشأ كل هذا من حوله؟ وما الغرض منه؟ هل يمكن أن يبزغ من لا شيء؟ من العدم؟ أم أن هنالك خالقًا عظيمًا ومصممًا ذكيًا وراء كل هذا أعد كُل شيء بعناية ودقة؟ أم أن كوننا هذا ما هو إلا مجرد كون من عدة أكوان لا نهائية، ولكن قبل الاستطراد في ذلك يجب علينا أن نفهم أولاً ماذا نقصد باللاشيء وما مواصفات الكون الذي يمكن أن يبزغ من لا شيء تقريبًا.

1 – عن اللاشيء الفيزيائي

ربما أفضل تعريف للاشيء قد يخطر في ذهني هو ما جاء في الإنجيل عن أنه مجرد فضاء خاو لا يحوي شيئًا على الإطلاق، لا مجرات، لا نجوم، لا إشعاعات، مجرد فضاء خاو ومظلم، حسنًا إن كان هذا هو مفهومك عن اللاشيء فأنت مخطئ، فاللاشيء عندما نطبق عليه قوانين  ميكانيكا الكم فهو شيء غير مستقر يغلي بالجسيمات الافتراضية التي تظهر وتختفي إلى الوجود إعمالاً مبدأ اللايقين لهايزنبرج ومليء بالمجالات مثل مجال هيجز وجسيمات هيجز التي كسرت تماثل الكون، وتعطي الأجسام كتلتها عندما تتفاعل معها، اللاشيء لم يعد لا شيئًا بعد الآن في الفيزياء!

وذلك بسبب قوانين ميكانيك الكم والنسبية الخاصة عند المقاييس الغاية في الصغر، فإن اللاشيء يعج بالجسيمات الافتراضية، التي تظهر وتختفي من الوجود في فترات زمنية غاية في الصغر، لدرجة أنه لا يمكننا مشاهدتها.

قد يبدو هذا الكلام كالنظريات الفلسفية، أو أنه ليس علمًا «بما أننا لا نستطيع رصد هذه الجسيمات»، ولكننا في الواقع، وبالرغم من أننا لا نستطيع رصد الجسيمات الافتراضية مباشرة، إلا أننا نستطيع قياس آثارها بشكل غير مباشر، وفي الواقع، فهي مسؤولة عن أفضل التنبؤات في الفيزياء.

وقد تبين أن معظم كتلة البروتون، تأتي ليس من الكواركات ضمنه، بل من الفضاء الخالي بين هذه الكواركات، إن هذه الحقول التي تظهر وتختفي من الوجود، تمنح البروتون حوالي 90% من كتلته. وبما أن البروتونات والنيوترونات هي المادة المهيمنة في جسدك، فهذا يعني أن الفضاء الخالي مسؤول عن 90% من كتلتك، فالفضاء الخالي غاية في الأهمية في العلم، وهذه الحسابات غاية في الأهمية، ليس فقط من أجل فهم البروتونات، بل الإلكترونات والذرات أيضًا.

فإذا طبقت قوانين ميكانيكا الكم علي اللاشيء وانتظرت لمدة كافية دائمًا ستحصل دائمًا على شيء، في الواقع ستحصل على ما يكفي لإنشاء أكوان ومجرات، ولكن أليس ذلك بخرق لقانون حفظ  الطاقة؟ فالطاقة لا تفنى ولا تستحدث من العدم، في الواقع ربما لا يوجد هنالك طاقة للكون على الإطلاق.

وهذا يأخذنا إلى النقطة الثانية.

 ألا وهي ما مواصفات الكون الذي يمكن أن يأتي تقريبًا من لاشيء؟

حسنًا نحن أمام نموذج من ثلاث نماذج للكون، إما أن يكون كونـًا مسطحًا أو مغلقـًا، أو كونـًا مفتوحًا، ونحن نعيش في كون مسطح، الكون الأجمل رياضيًا والطاقة التي فيه مساوية لصفر، نعم لم يكن هناك أية طاقة للبدء، فعندما تحسب إجمالي المادة في الكون ستجدها إيجابية وإذا حسبت إجمالي الطاقة في الكون فستجدها سلبية بسبب أن الجاذبية لها طاقة سالبة وعندما تضيف الاثنين لبعضهما على ماذا تحصل؟ صفر، وهي محصلة الطاقة في كوننا؛ فأنت تعيش على كون مسطح وطاقته الإجمالية مساوية للصفر، وهذا النوع من الأكوان هو الذي يمكن أن يبزغ من اللاشيء.

ولكن إن كان الموضوع هكذا فما الغرض من وجودنا؟ وما الغرض من وجود الكون على الإطلاق

حسنًا سؤال كهذا يحمل بين طياته كثيرًا من العجرفة والتقدير الزائد للذات؛ لأنه بكل بساطة لا يوجد غرض من وجودنا أو وجود الكون غير تلك الأغراض التي ابتدعناها لكي نستطيع أن نمتلك القدرة في الاستمرار على قيد الحياة، فسؤال كهذا يجعلنا نظن أننا نحتل مرتبة مميزة في هذا الكون وهذا غير صحيح على الإطلاق، قديمًا اعتقدنا قديمًا أننا مركز الكون، وأن كل النجوم والأجرام السماوية تدور حولنا، إلى أن افترض كوبرنيكوس أننا والكواكب الأخرى من ندور حول الشمس في مدارات دائرية إلى أن أتى يوهانس كبلر وافترض أنها مدرات بيضاوية، فنحن لسنا بمركز الكون، مجرد كوكب عادي يدور حول نجم عادي يدعى الشمس، لا يحتل موقعًا مميزًا في مجرة حلزونية تحوي 400 مليار نجم تدعى درب التبانة، مجرد مجرة عادية ضمن 170 مليار مجرة موزعة خلال الكون المرئي فقط، وبعد مقارنة حجمنا بحجم الكون ومعرفة متناهية الصغر الذي نحتله فإن السؤال عن الغرض من وجودنا لن يصبح صائبًا، وأما بالنسبة للكون نفسه فهو تقريبًا لا شيء بالنسبة للفراغ، فهذا الكون كله من مواد وأجسام وجسيمات وذرات يمثل 4% فقط من الوجود والباقي هو فراغ موزع في الطاقة المظلمة بنسبة 73% و23% مادة مظلمة. وبالتالي يجب عليك أن تسأل نفسك ما الغرض من وجود كون بهذه الضآلة بالنسبة لحجم الفراغ، ربما لا يوجد أي غرض على الإطلاق.

2 – أكوان متعددة- Multiverse

ربما قد ترى أن ذلك ضرب من السذاجة أن يكون هذا الكون ربما لا يكون الوحيد وأنه توجد سلسة غير متناهية من الأكوان، فذلك للوهلة الأولى قد يبدو غير منطقي، ولكن إن كان هنالك شيء واحد تعلمناه من الفيزياء الحديثة فهو أن الكون من حولنا  لا يأبه للمنطق على الإطلاق؛ فأين المنطق في سلوك الإلكترون عندما يتصرف كموجة وجسيم في الوقت نفسه، وأين المنطق في انهيار دالته الموجية عند تعرضه للرصد من قِبل مراقب؛ لذا هذا الكون لا يجب أن يبدو منطقيًا لك وكذلك نظرية الأكوان المتعددة؛ لأنها ترتكز على أفكار فيزيائية سليمة

قد اتفقنا آنفـًا على أن الكون الذي نعيش فيه هو مسطح أي أن نسيج شبكة الزمكان مسطحة وممتدة تقريبًا إلى ما لا نهاية وإذا استمر إلى ما لا نهاية فمن الضروري أن يبدأ في تكرار نفسه عند نقطة معينة، فقد حيرتنا ميكانيكا الكم عندما نبهتنا لسلوك تصرف الجسيمات؛ فهي تسلك سلوك الموجة تارة وتسلك سلوك الجسيم تارة أخرى، وقد تكون في جميع الأماكن وعندما تتعرض للرصد تختار مكانـًا واحدًا لتظهر فيه، وبهذا الرصد فإننا نؤثر على ماضي الجسيم ونجعله يختار احتمالاً واحدًا فقط، إما التصرف كجسيم أو موجة، وهذا ما يحدث عندما نأخذ تفسير ميكانيكا الكم إلى نظرية العوالم المتعددة، فإذا وجدنا الشيء الذي تم رصده أو قياسه على أنه موجة عن طريق التأثير في ماضيه فيوجد في عالم آخر راصد آخر سيرى الاحتمال الثاني للشيء، وسيري تصرفه على إنه جسيم، وهذا يفسر لماذا يتم قياس الشيء على أكثر من حالة.

3 – فرضية الإله

لماذا يجب علينا أن نبحث في فرضية الإله كخالق للكون؟ حسنًا، من رأيي؛ لأنها فرضية نستخدمها  في محاجاة العلم معولين عليها كثيرًا؛ ولذلك يجب أن توضع بعين الاعتبار، وتخضع للتحليل نفسه الذي تخضع له النظريات الأخرى القائلة بكيفية نشأة الكون، ونزع القدسية عن تلك الفرضية ليس بالازدراء أو ما شابه ذلك، ولكن فقط لتحليل الفكرة تحليلاً منطقيًا ليس أكثر.

حسنًا هذا الكون يأخذ في الاتساع، وكانت له نقطة بداية منذ 13.7 مليار سنة ونحن جميعًا متفقون على ذلك، ولكن يأتي الاختلاف في تفسير كيف ظهرت هذه النقطة إلى حيز الوجود، هل أتت من اللاشيء؟ هل هي نظرية الأكوان المتعددة ؟ هل هو خالق عظيم؟

حسنًا نحن لا نعلم حقـًا كيف ظهرت للوجود، على الأقل حتى الآن، كل ما نستطيع فعله هو وضع الافتراضات والنظريات الناتجة عن الأدلة التي تظهر لنا، وهذا هو أروع شيء في العلم فهو شغوف دائمًا للأشياء التي لا يعرفها؛ فنحن لا نعرف حتى الآن كيف أتت النقطة الأولى التي بدأ منها كل شيء، ولكن ربما في المستقبل القريب تظهر لنا أدلة جديدة تساعدنا على فهم كيف نشأ الكون، فَرَدّ كل شيء لم نستطع حقـًا فهمه لخالق عظيم وضع كل شيء وتسبب فيه وصممه، ليس إلا مجرد كسل فكري في التواري عن الأشياء المجهولة لنا بردها إلى قوة خارقة للطبيعة، لأن السؤال دائمًا عن ماذا كان موجود قبل ذلك ليس بالسؤال اللغوي الصحيح؛ لأنه لم يكن هنالك وجود للزمان أو المكان قبل الانفجار العظيم فالزمن خرج لحيز الوجود مع هذا الانفجار؛ ولذلك فإن هذا السؤال ليس منطقيًا؛ لأنه لم يكن هنالك أي شيء قبل هذا الحدث الخلاب على الإطلاق، وهذا من وجهة نظر العلم بعيد عن الإيمان الشخصي والمعتقدات التي نحملها؛ ولذلك محاجاة العلم في فكرة ماذا كان هنالك قبل ذلك كُله ليست بالفكرة الصائبة.

لأنه إذا وصلنا إلى نقطة الإله الذي أعد كل شيء فيجب علينا أن نفسر كيفية وجوده قبل كل شيء، لا يمكنك ببساطة أن تتخلص من الارتداد اللانهائي عن طريق وضع الإله فوق الطبيعة؛ فهذا ليس إلا كسل فكري آخر لشيء لا تستطيع أن تثبت وجوده أو تنفي وجوده، أنا لا أريدك أن تنفيه، بالطبع لا، ولكن تحلى ببعض الأمانة  العلمية في الطرح، وقل ربما يوجد خالق لهذا الكون وضع النقطة الأولى وأعد كل شيء، وحديثي هنا ليس عن الإيمان أو عدمه، حديثي كما ذكرت آنفـًا حول تحليل تلك الفرضية بعيدًا عن إطار القداسة، فإيماني وإيمانك الشديد بشيء لن يغير من الحقيقة أبدًا ما لم نستطع أن نخضع ذلك الإيمان للتجربة العملية والتأكد من صحته، فالغرض من هذا المقال ليس إلا وضع كلمة ربما قبل كل الفرضيات القائلة بنشأة الكون بعيدًا عن الإيمانات المسبقة ليس أكثر، ففي حقل العلم لا يسعنا إلا أن نقول على الأشياء التي لم نتأكد يقينـًا من صحتها بنسبة 99.9999%  بحسب المعايير الخمسة لمنحنى بيل إلا ربما نحن نعلم، أو ربما وجدنا مثلما حدث إبان اكتشاف جسيم هيجز في عام 2012.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

كون
عرض التعليقات
تحميل المزيد