وسط حالة الإحباط التي يحياها المصريون بسبب الضبابية الشديدة التي تتخبط فيها الدولة المصرية وقد بدأت تتآكل مساحة الحقوق والحريات ولفظت العدالة الاجتماعية أنفاسها الأخيرة تحت نعال المسؤولين ورجالهم المقربيين وهم يشاهدون تغول الدولار أمام الجنية المأسوف لحاله كما تغول من قبله الفساد وافترس نسمات الإصلاح التي حملتها معها رياح الثورة، كان من العجيب أن يشكف لنا التاريخ أن مصرنا الحزينة كانت دولة عظمى لا منذ مئات أو آلاف النسين كما يعتقد أغلبنا ولكن منذ فقط عشرات السنين، فمنذ ما يزيد قليلا عن الستين عاما كانت مساحة مصر حوالىدي ثلاثة مليون متر مربع شاملة مصر والسودان وقطاع غزة وجزء من ليبيا وتشاد أما الآن فقد تقلصت تلك المساحة لحوالي مليون كيلو متر مربع أي ثلث المساحة، والعجيب أنه عام 1950 أرسلت أوغندا – تلك الدولة التي أصبحت الآن هي وجارتها من دول حوض النيل تتلاعب بالقاهرة بإستهانة – طلبا رسميا لملك مصر تطلب منه التكرم بالموافقة على أن تنضم تحت التاج المصري لتصبح جزءًا من الدولة المصرية.

أما إذا لم تستطع أن تكمل قراءة ذلك المقال لانقطاع الكهرباء فأود أن أذكرك بأن مصر أنشات أول محطة لتوليد الكهرباء من الطاقة الشمسة عام 1913 أي منذ ما يزيد عن قرن كامل حينها كانت أجزاء كبيرة من أروربا مازلت غارقة في الظلام، وإذا قارنا قيمة الجنيه أيام الاحتلال الإنجليزى بقيمته الآن ستجد العجب العجاب فلقد كانت قيمة الجنيه المصري تساوي جنية ذهب وخمسة تعريفة ومنذ عام 1926 وحتى عام 1953 كانت مصر تمتلك أكبر غطاء نقدي في العالم أما الآن فالجنيه المصري قيمته بلغت لاقل من ثمانية سنت أمريكي، بالمناسبة عام 1946 تقدمت أمريكا بطلب إلى الممكلة المصرية لترسل معونة إلى دول اوروبا لتنقذها مما يعانيه الأوروبيون من ضيق ذات اليد وتفشي الأمراض والأوبئة، ومن الجدير بالذكر أنه بعد الحرب العالمية الأولى أرسلت مصر إلى بلجيكا معونة قدرها 500 ألف فرانك لإنقاذ الشعب البلجيكي من الجوع والمرض فشكرت لها حكومة بلجيكا صنيعها ودونت ذلك في كتاب ذهبي خاص، ومن العجيب أيضا أن مصر أقرضت بريطانيا العظمى ما يعادل الآن 29 مليار دولار خلال الحرب العلمية الأولى.

تعالوا نقترب أكثر من الاقتصاد آنذاك ونتأمل سويا بعض الحقائق الهامة، بلغ معدل البطالة أقل من 2% واشتهرت في الإذاعات الغريبة مقولة «مصر تنتج والعالم يستهلك»، أما الآن فأضحت مصر تستهلك والعالم ينتج، وإذا عرجنا على البورصة المصرية تجد أن مصر آنذاك كانت تحظى بأكبر وأهم بورصة للقطن في العالم كما كانت تحتل بورصة القاهرة والإسكندرية المكانة الرابعة على مستوى العالم في الأربعينيات، وإذا عدنا قليلا إلى الوراء وبالتحديد عام 1888 تجد صورة شهيرة تجمع مجموعة من العلماء اليابانيين وخلفهم أبو الهول أثناء زيارتهم لمصر في بعثة حكومية يابانية تهدف للتعلم من نهضة مصر وحضارتها لانتشال اليابان من ركب التخلف وإلحاقها بركب مصر العظمى، لا تحاول الآن أن تتذكر ذلك المشهد المخزي عندنا أرسلت اليابان منذ عدة أيام أحد أصغر مسؤوليها وهو نائب وزير الخارجية لمقابلة أكبر مسؤولين في مصر رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء وهو يخبرهم بزهو بأن حكومة اليابان تبرعت لهم ب450 مليون دولار لبناء المتحف المصري الكبير، مشهد مخزٍ للغاية ويا للأسف، وكما أن الفشل عدوى تصيب كل مفاصل المجتمع فكذلك النجاح فلقد كانت مصر تحيا نهضة في كل المجالات لدرجة أن الطبيب المصري كان من أكفأ أطباء العالم فيكفي أن تتخرج من جامعة مصرية لتعمل في أي دولة في العالم دون خضوعك لأى اختبارات أو معادلة للشهادة أو خلافه كما يحدث الآن فأنت سليل الحضارة المصرية وتتلقى أعلى مستوى تعليمي فيكيفك أن تقول بفخر أنك تعلمت في مصر لتفتح لك أبواب أرقى مدن العالم، وكانت القاهرة أجمل مدن العالم وفعلا «أم الدنيا» صدقا وعدلا لا تبجحا واستخفافا بالعقول، كل ما سبق كان في الفترة ما قبل 1952 أما بعدها فقد انقلب كل شيء فذهبت السنوات السمان وحلت محلها السنوات العجاف، الحرمات انتهكت، خيرات البلاد نهبت، حدود الوطن استبيحت، السجون شيدت والمدارس غلقت، كتمت الأصوات في الحلوق وكممت الأفواه، أصيبت مصر بجرح غائر ما زالت تعاني منه ويأبى أن يندمل حتى الآن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد