تحيا القضية الفلسطينية اليوم مرحلة حرجة من مراحل التاريخ، وتعيش في ذات الوقت واقعًا مريرًا أصابها في مقتل، فالمأساة العظيمة التي تعيشها هذه القضية مأساة ليس لها نظير في صَفحاتِ تاريخ الصراع الفلسطيني، حيث نَزَلت بها عددًا من الكوارث والبلايا والضيقِ والمحن.. التي تجلت في ضعفها وهوانها وتسلط أعداء الدين على أبنائها في شتى بقاع العالم، فأصبحت كقَصعةٍ مستباحة لكل الطغاة من الشرق إلى الغرب بدءً من سياسة حاكمٍ فاسد وصولًا لدبٍّ داشِّر؛ هكذا تدار القضية الفلسطينية يتم اختلاق مشكلة جديدة تتعلق بلقمة العيش؛ ليتم التفاوض عليها؛ وينسى الشعب مشاكله الأساسية وأهدافه الاستراتيجية ليتم الاتفاق على الأخير. كل هذا لأن الشعب الفلسطيني فقط متمسك بحبل الحريةِ والسيادةِ، ويطالب بحقه الطبيعي بالعيش بعزة وكرامة كغيره من الشعوب.

فيما طواغيت العرب يلعبونَ في أشهر الملاعب الصهيونية، ويرقصونَ على أشهر وأرقى المسارح الأمريكية، وهم كذلك مترنحون بين الشيوعية مرة، وبين الصليبية مرة أخرى، حيث قدَّمت لهم النساء والخمور والملاهي؛ فغرقوا في وحل الشهوات. رَوى الإمام أحمد في مسنده عن ثوبان – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يوشك أن تتداعى عليكم الأمم من كل أفق، كما تداعى الأكلة على قصعتها، قلنا: يا رسول الله أمن قلة منا يومئذ؟ قال: أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، تنزع المهابة من قلوب عدوكم، ويجعل الوهن، قالوا: وما الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهة الموت. وها نحن اليوم نرى تلك الهجمة الشرسة على هذه الأمة ومقدساتها من أنظمة فاجرة وتنظيمات خائنة عميلة راهنت على الصهيوني؛ لحصار شعبٍ أعزل لا يُريد سوى حقه في العيش والعودة إلى أرضه التي سُلبت منه.

إنّ الأزمة التي تمر بها القضية الفلسطينية بشكل عام، وغزة بشكل خاص مشكلة معقدة جدًا، فلو طرحنا جميع الأوراق والمقترحات على طاولة التنفيذ، تصل في النهاية إلى الطريق مسدود، لكن أنا على يقينٍ تام أنّ هناك طريق واحد نجد فيه حلَّا لهذه المشكلة؛ بإدراكنا حقيقة الأزمة وواقعها إدراكًا عميقًا، عندها يمكن وضع الحل الجذري لهذه القضية، والحل الجذري هو الحل المصيري والحل المصيري هو العودة إلى الله بجميع الوسائل والطرائق التي تُرضي الله – عز وجل – وهذا يتجلى في الرجوع إلى كتاب الله وسنّة نبيه بتطبيق الأحكام والشرائع تطبيقًا كليًا بما يخدم هذه المشكلة، مع الأخذ بأسباب النصر والتحرير من الإيمان بالله، ووحدة الدم والمصير، وإحلال العدل، والعلم، وإعداد العدة والعتاد، والتربية السليمة المركزة للأجيال القادمة، وزيادة الوعي في كافة مفاصل المجتمع، عن طريق المناهج التربوية، ومواقع التواصل الاجتماعي، والفن الهادف بجميع أنواعه؛ لما يغرس نواة التحرير.. قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلًا). وقـال: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم). وقال: (ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون).

إنّ العودة إلى الكتاب الله هو الذي يُحتِّمُ علينا طاعة اللَّه ورسوله، وهو الذي يحذّرنا من مخالفة أي أمرٍ من أوامره لئلا نقع في الفتنةِ إنْ خالفنا أمرهُ سبحانه وتعالى، فالرجوع إلى الله يُلزمنا بإتباع الشريعةِ التي أنزلها سبحانه على سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم – لتنظيم كل العلاقات بين المسلمين على الأرض. هذا هو الحل الوحيد وهو عينه الحل الجذري. فبداية الطريق، وأصل الإصلاح يأتي من الأعماق حيث بوصلة التغيير، مصداقًا لقول الله تعالى: (إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ). فالمسلمون قديمًا كانوا يتمسَّكون بكتاب الله وسنة نبيه، ويعتزُّون بالحق، وهذه العزَّة جعلت القلَّة تنتصِر على الكثرة، والأميين يغلبون المتحضِّرين، ورعاة الغنم ينتصرون على طغاة البشر الظالمين.

ذكر المفسّر والمؤرّخ محمد بن جرير الطبري في كتابه (تاريخ الأمم والملوك) أن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – أمر بوقف الفتوحات في بلاد فارس، في عمل لم يتكرَّر في تاريخ المسلمين، إلا لدى قليل ممن هم على شاكلته، وذلك حين فُتحت الدنيا على المسلمين وكثرت الغنائم في أيديهم. فخاف رضي الله عنه أن تتملك الدنيا من قلوب المسلمين، وخشي أن يُفتَنوا بالدنيا ويخسروا الآخرة فيخسروا دولتهم، وكان همه أن يُدخل شعبه الجنة، لا أن يُدخله بلاد فارس، إذا كان دخول فارس على حساب دخول الجنة، وقال رضي الله عنه: وددت أن بيننا وبين فارس جبلًا من نار لا نصل إليهم منه ولا يصلون إلينا. ولم يعد رضي الله عنه إلى مواصلة الفتوح إلا بعد أن هجم الفرس على المسلمين، وخاف على المسلمين الهزيمة والضياع.

لذا أرى أن على جميع الفصائل الفلسطينية بأشكالها وألوانها أن يقوموا بإنشاء مسيرات عودة كبرى إلى الله، انطلاقًا من جميع مساجد القطاع، والعمل الدعوي، والعسكري، بشتى إبداعاتهم ومشاريعهم من صلاةٍ، وقيامٍ، وتهجدٍ، ودعاءٍ، وذكرٍ جماعي، وحملاتٍ كحملةِ (رجال الفجر)، وغيرها من الأعمال الروحية الكثير. بالإضافة لجلسات شروقٍ واستغفار؛ لما للاستغفار من أثرٍ عظيم في معالجة الأزمات الصغيرة كانت أم الكبيرة، وبكافة أصنافها مصداقًا لقول الله تعالى: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا. يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا. وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا).

حتى نصل ونؤثر على كل بيتٍ وكل فردٍ من أفرادِ المجتمع، بالاستفادة من مواقع التواصل الاجتماعي، والدعاية والإعلام المُمَنهج، وغيرها من الوسائل. هذا يكلف وقت وجهد. نعم، لكن أقل بكثير من مسيرات العودة الحدودية. إن مسيرات العودة إلى الله سيكون لها تأثيرٌ قوي يوازي المسيرات الحدودية، لذا من باب أوْلى علينا أن نرجع إلى الله أولًا لأن الرجوع إلى الله هو الرجوع الوحيد الذي يجعلنا نتقدم. هل تظنوان أن الله سَيُخَيِبُنا؟! حشاه سُبحانه أن يخيب شعبًا عادَ إلى أحضانه.

هذا لا يعني أن نتخلى أو نُقلل من مسيرة العودة الحدودية؛ لأن لها ما لها كونها أعادت القضية إلى جذورها، بتنوع أساليبها واختلاف أدواتها، شكلت رمزًا لقضية اللاجئين، وذلك تأكيدًا على حقهم في العودة؛ ما شكّل ضربة قوية لسياسات الاحتلال لطمس حق العودة. كما استطاعت جذب انتباه العالم نحو مشكلة اللاجئين وإعادة القضية الفلسطينية إلى صدارة الاهتمام الدولي وغيرها الكثير، كما ذكرت في مقالٍ سابق.

ومن هنا فإننا نحتاجُ بُعدًا آخر إضافة إلى البُعد المادي الذي طغى أكثر من حده، وهذا لا يكون إلا في العودة إلى الله؛ فبرجوع والعودة إلى الله نتخلص بما يشبه الشلل المعنوي والفكري، في جميع أجهزتنا الأخلاقية والسلوكية، ومَلكاتنا الداخلية، ومواهبنا الذاتية، وطاقاتنا العقلية، والعملية والعلمية، وكذلك إشباع الفراغ الروحي بما فوق المادة بالقوة المطلقة التي لا حد لها، والتي إليها مرجع الأمور.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد