تعرض المسلمون في بداية عهدهم لفتنة عظيمة وهزة عنيفة، زلزلت أركان دولتهم الناشئة وعرضت إلى فنائها وتهدم بنيانها المرصوص، بعد أن أرسى لها النبي الكريم (صلى الله عليه وسلم) ليكتمل للمسلمين خيرا الدنيا والآخرة، ويتحقق قول الله تعالى ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً﴾.

وأحداث التاريخ يكون لها من الأثر ما هو مرهون بفترة زمنية فيقصر أو يطول، أو مكانية فيمتد أو يحجم، ومنها ما يتوقف عند حدود فرد أو جماعة ليشمل حاجة من حاجاتها أو يجمع لها أمرها. ولأمر هذة الشدة من عظم التأثير والإحداث في حياة المسلمين ما انسحب على كثير من أمور دنياهم ودينهم وشملت جميع بلدانهم، وتبدلت من ورائها أحوالهم، فلم يعد المسلمون هم المسلمون في صدر دولتهم، ولم يعد دينهم هو الدين في بداية دعوتهم.

هي الفتنة الكبرى من دون شك، وطامة المسلمين العظمى في غير ريب، وهي آفة عصرهم، ومحنة زمانهم الماضي والآني، فهم السنة والشيعة، وهم الخوارج والمعتزلة، وهم الماتردية والإباضية واليزيدية وغيرهم ممن بقي واستمر، أول زال وانتهي، والكل يدعي الحق لنفسه ولجماعته وينكره على غيره من المخالفين. فأصاب أهل الشيعة من السنة ما أصابوا، ونال أهل السنة من الشيعة ما نالوا، وقتل الخوارج من السنة والشيعة وأفسدوا في الأرض، وظهر من الإسلام ما ليس فيه وتفرقت به وبأهله السبل، فأصبح لأهل السنة مذاهبهم وعلماؤهم ومساجدهم التي لا يطأها متشيعو علي، وكان لأهل الشيعة آياتهم وحوزاتهم وحسينياتهم وأئمتهم، وصمت الآذان فلم يعد للسمع بينهما طريق.

والإسلام بين هذا وذاك غريب، والأمة الإسلامية في دينها تائهة، وعلى أوضاعها السياسية والاقتصادية والاجتماعية ناقمة، وفرض الغرب نفسه، واستغل الشقاق معاملًا ثابتًا في القضية، وأصبح كل طرف ينظر إلى الآخر إما أنك متحالف معهم خائن للدين ولقضايا أمتك، وإما أنك عدو لهم تنصر الدين وأهله.

براءة الإسلام

والتجني كل الجناية أن يُتهم الإسلام في ذاته بوصفه سببًا رئيسًا لتراجع أحوال البلاد التي سادها، وتأزم أوضاعها، وتقدم الأمم الأخرى عليها، أو أن يُرجع السبب في ذلك إلى فرقة أبناء الإسلام فيما بينهم. أما وإن كانت الفتنة قائمة منذ القرن الهجري الأول، تهبط وتثور، فإن الدولة الإسلامية استطاعت أن تجد لنفسها مكانًا عظيمًا بين الأمم، وبنت لنفسها مجدًا حضاريًّا مؤثرًا في شتى مجالات العلوم والعمارة والآداب والفنون.

إلا أن هذا أيضًا تاؤل مرفوض، يعارضه الإسلام نفسه، فإن اجتماع كلمة المسلمين، قوة لهم، وتفرقها ضعف عليهم، والله القائل ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ… ﴾، واختلاف المسلمين فيما بينهم كان سبب ضعف على امتداد تاريخهم، وليس كل الأسباب.

والحديث عن خلاف المسلمين الأوائل، أمر تهابه النفوس وتعظمه، فهم الصحابة وأتباع رسول الله، عهدهم به قريب، ونفسهم إليه غير بعيد، رضوا عنه ورضي عنهم، حملوا لواء الإسلام من بعده فرفعوه، وزادوا عن شريعته وقرائنه وسنته ما استطاعوا، ولما عرضت لهم الفتنة، نأى بجانبه منهم من نأى، ومنهم من انغمز فيها عن صواب أو خطأ، فأصابت منه أخمص قدميه أو غطته فلم يجد منها مفرًّا ولا مهربًا.

مع أم ضد

تفرض مناهج البحث الجديدة الحكم بشأن القضية المعروضة من ضرورة الانتهاء إلى نتيجة وخلاصات. وهكذا يكون الدارس أو القارئ مطوقًا للوصول إلى الحكم النهائي بشأن الفتنة، أما وإن قلت «مع» فأنا من الأولى إلى الثانية من الضالين، وإن قلت «ضد» فأنا من الثانية إلى الأولى من المغضوب عليهم، وأما إن آثرت السلامة بوقف الحياد على نفسي فأنا إذًا أعدمتها الرأي وجلبت عليها تضادًا مفرَّغًا من معناه، فلا تستقم الأمور باجتماع الحق والباطل في جانب واحد، فإما هو حق مجيئ أو باطل زهيق.

والأمر ليس على يسره، كما يظنه الظانون أو يحسبه المستسهلون، فالصحابة محصورون في أحد أمرين لا ثالث لهما: التكلف في الدفاع عنهم، نظرًا لما يفرضه الخوض في أمرهم التخوف الشديد من وقوع التشكيك في هذا الجيل النادر من المسلمين الأوائل، أو الإسراف في النعي عليهم، دون مراعاة وقار أو ذكر فضل لهم في الإسلام.

وبين هذا التكلف المصطنع في غير موضعه، والإسراف المغالي في النقد والخصومة. ورثت أجيال الإسلام هذا العداء، ورأى السنة في الشيعة أكثر خطرًا على الدين من غيرهم، وأنهم بدلوا وغيروا وأبكوا واستبكوا، وأما الشيعة فرأوا في أهل السنة وجماعتهم خروجًا عن الدين وصحيحه، ونصرة الظلم والظلمة.

لا قداسة ولا عصمة

و الإسلام واضح جلي، لا تأليه فيه ولا تعظيم ولا قداسة ولا عصمة إلا لله ورسله الكرام، وأما الصحابة وجيل الإسلام الأول، فهم بشر جبلت طبائعهم على الصواب والخطأ، وأراؤهم اجتهادية في الدين والحكم والسياسة. فإن قادتهم إلى صواب فهم في ذلك محمودون، وإن قادتهم إلى خطأ فهم عنها ملامون في غير تجرؤ، فهم لا يملكون لأنفسهم ردًّا أو دفاعًا. أما وإن كان جيمعهم على صواب، فمن قتل عثمان ومن تحارب في موقعتي الجمل وصفين، ومن قتل عليًّا، ومن استخلف معاوية بن أبي سفيان ومن قتل الحسين؟ وإن كان جميعهم على خطأ، فمن نصر الرسول (صلى الله عليه وسلم) وأيده، ومن نشر دعوته وحمل دينه وحفظ قرآنه، ونقل إلينا سنته؟

إنها الفتنة، وحسبنا جميعًا سنة وشيعة، أنهم انتقلوا جميعًا إلى جوار ربهم، يسألون عنها بين يدي الله، ولكن هل أصابتنا هذة الفتنة واستمرت فينا إلى هذا الحد البغيض الذي وصل إلى تكفير بعضنا بعضًا وإتهامنا بعضنا بعضًا، بل وصل الحد إلى الاقتتال وتجييش الجيوش وإنشاء التكلات والأحلاف، والعدو متربص بنا، وأراضي فلسطين عرضة للنهب والسرقة من محتل غاشم وعدو آثم، وانتشر في بلادنا العربية الرعب من مدعي الدين ومنتسبي الإسلام، فشاعوا فيها القتل والفساد وأحلوا الدماء، أما عن غير العربية، فحدث ولا حرج.

وقد يكون من السذاجة اختصار الأمر وتصويره على هذا النحو الديني المحض، بل هي السياسة أيضًا، ولكن الفجوة ما تزال قائمة، والمذهبية عامل مطروح وبقوة، إذًا لماذا لا يكون الدين سببًا في ردنا بعضنا إلى بعض إخوانًا كما كنا بإلاسلام، ولمَ لا يكون سببًا في ظهور أمته على غيره من الأمم كما كان في عصوره الماضية، وقد قال الله ﴿إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾.

الأزهر وقم والنجف

إنها دعوة تحتاج إلى سنوات حتى نتجاوز هذا الأثر السيئ في نفوس أصحاب المذهبية، والعبور فوق هذا الركام من خطاب الكراهية والتحريض، حتى سمح هذا الشقاق الطويل، وظروف عديدة أخرى، إلى ظهور جماعات إرهابية متطرفة، ادعت لنفسها الدين الحق، فأباحت الدماء وهدمت ونفرت من الإسلام والمسلمين، وصورت أبناءه في صورة القتلة وشاربي الدماء.

لقد انطلق الإسلام من الجزيرة العربية فوحد الشعوب والأمم المختلفة، وأشاع السلام ونشر العلم، وكانت لهم دولة عظيمة وممتدة، وهي أيضًا بؤرة الإسلام الأولى ومنها انطلق الخلاف ومنها سينقضي. وقد شهدت المنطقة العربية خطوات مهمة في طريق السلم والأمن، وهي إذ تنشد السلام السياسي لدولها فإنها تنشد السلام الديني أيضًا.

فهل من الممكن أن نرى فضيلة الأمام الأكبر للأزهر الشريف، وآيات الله من حوزتي قم والنجف، يجلسان معًا على طاولة واحدة، هل من الممكن أن يتحقق هذا الحلم البعيد يومًا ما، لنعلن للعالم أجمع أننا أمة واحدة، وأن الوقت آن لنتجاوز خلافاتنا وتحقيق السلام المذهبي بين دول الشيعة والسنة، والتي ستنسحب بكل تأكيد على الخلافات السياسية والاقتصادية، وقضايا الصراع.

ولا نرى أفضل من مصر بحكم إرثها الديني الطويل لدى السنة والشيعة، والإمارات العربية المتحدة والتي رعت وثيقة الإنسانية بحضور الأزهر والفاتيكان، وبلاد العراق وإيران وأغلبيتم من المذهب الشيعي، لوضع حد لهذا الجرح الذي أرهقنا، وأن نبني مستقبلنا وترك التغني بالماضي أو البكاء عليه، نحن مؤهلون لذلك وقادرون عليه وراغبون فيه، على الرغم من صعوبته وارتفاع أصوات المتطرفين والمعارضين لتمضية السلام وتيسير سبله. إنه حلم بعيد أن يُرى أئمة الشيعة بجوار شيخ الأزهر وعلمائه يومًا ما، ولكنها الأحلام التي تعلو بنا فوق المستحيل وتحلق بنا في فضاء الله الواسع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد