في أبريل (نيسان) عام 1920 اجتمع مجلس الحلفاء الأعلى، في سان ريمو، وأقرَّ الانتداب الفرنسي على سوريا ولبنان. وعلى الرغم من أن ذلك القرار جاء معارضًا لأهل سوريا، سواء أكان الشعب أو حكومته العربية، إلا أن بعض الطوائف اللبنانية قد استقبلته بارتياح بالغ.

بعد إقرار الانتداب على البلدين سوريا ولبنان اتخذ الجنرال هنري غورو، المفوض السامي الفرنسي، إجراءاته اللازمة لتحويل القرار إلى واقع عملي، فأمر قواته بالزحف على المنطقة الشرقية، حيث وقعت معركة ميسلون في يوليو (تموز) 1920، والتي على أثر هزيمته فيها خرج فيصل من سوريا متوجها إلى أوروبا. وبانتصار الفرنسيين في تلك المعركة، أصبحت المنطقتان، الشرقية والغربية، في قبضة الفرنسيين، ومن ثم صارت الأوضاع مناسبة للجنرال غورو لإعادة تنظيم المنطقتين سياسيا وإداريا.

في الحادي والثلاثين من أغسطس (آب) 1920، ومن ساحة قصر الصنوبر في بيروت، أعلن الجنرال غورو، قيام دولة لبنان الكبير، لتحل محل ما كان يُعرف بجبل لبنان، وذلك بموجب القرار رقم 318، وهكذا صارت دولة لبنان المعاصرة، تضم مدن طرابلس وبيروت وصيدا ومنطقة وادي البقاع وجبل عامل وسهل عكار، إضافة إلى جبل لبنان. وفي اليوم التالي أعلن الجنرال الفرنسي عن قيام دولة لبنان، كدولة مستقلة تحت الانتداب الفرنسي.

كانت الأحداث في لبنان على عكسها في سوريا، فلئن كان السوريون قد اتفقوا جميعهم تقريبًا على رفض الانتداب وتقسيم بلاد الشام إلى دويلات صغيرة، فإن كفة الرضا عن الأوضاع الجديدة في لبنان كانت هي الأرجح، وهذا من الجانب المسيحي.

في السنوات الست التي تلت تلك القرارات، تعاقب على حُكم لبنان، بموجب نظامها المؤقت، أربعة حكام فرنسيين عيَّنهم المفوض السامي الفرنسي.

في مارس (آذار) 1922 أنشأ الجنرال غورو مجلسًا تمثيليًا للبنان الكبير، انتُخِب أعضاؤه بالاقتراع الشعبي في إبريل من نفس العام، وكانت مقاعد المجلس موزعة بحسب الطوائف المختلفة في لبنان. اجتمع المجلس للمرة الأولي في الخامس والعشرين من مايو وانتُخِبَ حبيب باشا السعد رئيسا له. في يناير (كانون الثاني) 1925 حل المفوض السامي الفرنسي، موريس ساراى، المجلس التمثيلي، داعيًا إلى انتخابات جديدة. وفي عام 1926 وُلِدَت الجمهورية اللبنانية.

لقد كان ميلاد الجمهورية اللبنانية وقيامها نتيجةً للتطور            أو للتوافق السياسي والإداري الذي شهدته لبنان منذ عام 1920، ما بين معظم الطوائف اللبنانية والفرنسيين. وهذا على عكس ما كان يدور على أرض سوريا من مقاومة لرفض الانتداب والمطالبة بإلغائه.

وحقيقة لم يكن السوريون وحدهم فقط من يطالبون بذلك، كلا، فإن المسلمين في لبنان أيضا كانوا كذلك ، فما إنْ تم الإعلان عن دولة لبنان الكبير، إلا واعترض غالبية المسلمين على أرض لبنان رافضين لتلك القرارات ، لقد كان رفض المسلمون السُّنة من منطلق أن انضمامهم إلى دولة يسيطر عليها المسيحيون سوف يجعلهم عرضة للتهديد، وسف يفصلهم فصلًا تامًا عن العالم العربي الإسلامي الذي ينتمون إليه.

إن المسلمين السُّنَة في لبنان قد هبُّوا ثائرين، في بيروت والبقاع ومناطق طرابلس وصيدا وصور، بمجرد فقط الإعلان عن قرارات الجنرال الفرنسي، لقد ثار هؤلاء معلنين مقاومتهم للرغبات الفرنسية، مطالبين بإلحاق مناطقهم بسوريا، ولقد استمروا في مقاومتهم القوية حتى نهاية الانتداب، ولقد ساندهم في البداية بعض الروم الأرثوذكس وغيرهم من المسيحيين اللبنانيين، وذاك أمر له أسبابه، فمنهم مسيحيون كانوا يؤمنون بفكرة القومية العربية، ومنهم من كانت تؤلمه محاباة فرنسا للمسيحيين الموارنة.

وأما المسلمون الشيعة فقد اشتركوا في المقاومة، غير أن مقاومتهم لم تكن بالعنف المطلوب، وأيضًا لم تدم مع الوقت، وذلك بسبب إدراكهم أنه من الأفضل لهم أن يكونوا أقلية كبرى في لبنان، بدلًا عن أن يكونوا أقلية صغيرة في دولة سوريا.

في عام 1925 شهدت المناطق الإسلامية أعمال عنف ومظاهرات، وذلك على إثر دعوة هنري دي جوفينيل للمجلس التمثيلي بسَنِّ دستور للبنان، وكان هدف المسلمين من تلك المظاهرات، أنهم يرفضون دستورا يُكرِّس حدود لبنان الكبير.

في صيف 1928 قام فريق من وجهاء المسلمين اللبنانيين بزيارة دمشق للمطالبة بأن يقر الدستور السوري، الذي كان قيد الوضع، حق سوريا في المناطق الإسلامية في لبنان. هذه الخطوة من جانب المسلمين، أقلقت الفرنسيين، وذلك ما دعاهم عام 1926 إلى ترشيح شارل دباس لرئاسة الجمهورية، وما دعا الفرنسيون إلى اختيار دباس، هو أنه من وجهة نظرهم  كان الأكثر قبولًا لدى السُّنة والشيعة والدروز من أي زعيم ماروني، وأيضًا كان مقرَّبًا من الفرنسيين.

نجح المفوض السامي الفرنسي، في إقناع مجلسي الشيوخ والنواب بانتخاب شارل الدباس رئيسًا للبنان عام 1926، وإعادة انتخابه في 1929، لثلاث سنوات أخرى. كان المسلمون السنة على غير انسجام مع العملية السياسية في لبنان، غير أنه كان هناك من الوجهاء اللبنانيين المسلمين من اشتركوا فيها، ومن هؤلاء كان الشيخ محمد الجسر، الذي ترأس مجلس الشيوخ، ثم مجلس النواب، بداية من عام1926، وحتى العام1932، ولم يكن الجسر بمنآى عن انتقاد المسلمين له. ورغم هذا الانتقاد والاعتراض من جانب المسلمين، فقد أعلن الجسر عن عزمه الترشح لرئاسة الجمهورية، وبطبيعة الحال فإن فرنسا لم تكن لترضى عن تولي مسلم رئاسة لبنان، ذلك البلد ذي الطابع المسيحي. تسبب ترشح الجسر للرئاسة في أزمة لحقت بالبلاد، حيث قام المفوض السامي الفرنسي، بتعليق العمل بالدستور، وفي اليوم التالي طلب من شارل دباس أن يبقى في منصبه كرئيس للجمهورية بالتعيين، فوافق الدباس على ذلك. استمر شارل دباس رئيسا حتى تقدم باستقالته في يناير 1932، على إثر ذلك تم تعيين أحد أركان المفوضية الفرنسية، بريفا أوبوار، حاكمًا للدولة. حتى صدر في 31 يناير قرار المفوض السامي بتعيين حبيب باشا السعد رئيسًا للجمهورية، ولقد استمر عامين. وقد خلفه إميل أده، في ذات المنصب.

في ذلك التوقيت خرج أحد المعارضين البارزين، وهو بشارة الخوري، ليطالب بإبرام معاهدة بين فرنسا ولبنان تحل محل الانتداب، وهذا على غرار ما حدث في العراق.

سارت سوريا أيضًا في هذا الطريق، ولقد شهدت ثورات وأعمال عنف ومقاومة، حتى تقتنص استقلالها، وهذا ما دعا مسلمي لبنان إلى أن ينتفضوا للمطالبة مرة أخرى بفصل مدن الساحل والبقاع عن لبنان وضمها إلى سوريا، وكان الزعماء اللبنانيون من المسلمين قد عقدوا مؤتمرا في 1933، برئاسة سليم سلام، ولقد أجمعوا على ضرورة ضم المناطق الإسلامية إلى سوريا، كما دعا سلام إلى مؤتمر ثان مؤتمر الساحل، انبثقت عنه نفس المطالب، وذلك في مارس 1936. على إثر الإعلان عن قرارات المؤتمر، وما صاحبه من زخم وحماس بين المسلمين، سارع بعض الزعماء المسيحيين إلى تأسيس كيان يُعرف باسم الكتائب اللبنانية لينضم إليه الشباب من مختلف الطوائف بهدف الحفاظ على الدولة اللبنانية بحدودها القائمة.

لم يقف المسلمون مكتوفي الأيدي أمام هذا الكيان، فسارعوا أيضًا بتأسيس منظمة النجادة في أوائل 1936 للوقوف في وجه الكتائب. وتلك بعض ملامح الطائفية التي تُعرف بها الجمهورية اللبنانية حتى يومنا هذا.

في سبتمبر (أيلول) ونوفمبر (تشرين الثاني) من العام 1936، وافقت فرنسا على إبرام معاهدتين مع سوريا ثم لبنان، على أن تعترف فيهما فرنسا بسوريا ولبنان كدولتين مستقلتين، كما وعدت بأن توصي بانضمامهما إلى عصبة الأمم. توالت الأحداث في لبنان، ما بين مماطلة فرنسا في تنفيذ وعودها وبين عدم الاستقرار السياسي، حتى اندلاع الحرب العالمية الثانية، التي ضعُفَت فيها الجبهة الفرنسية أمام النازية، وذلك ما جعل السوريين واللبنانيين يثورون ويصمدون ضد الفرنسيين، ومع تدخل بريطانيا وغيرها من الدول الكبرى حصل لبنان على اعترافات دولية باستقلاله في الثاني والعشرين من نوفمبر 1943. وفي الخامس والعشرين من أبريل (نيسان) عام 1946،  أعلنت سوريا استقلالها كدولة وطنية ضمن حدود جغرافية جديدة.

أنتقل إلى تناول القسم الثاني من هذا المقال، ألا وهو المتعلق بلواء إسكندرون.

منطقة لواء إسكندرون، هي منطقة إستراتيجية تتنازع على ملكيتها كل من سوريا وتركيا، وذلك لحيويتها ولموقعها البالغ الأهمية. حيث يقع اللواء على خليج إسكندرون وخليج السويدية في الزاوية الشمالية الشرقية للبحر المتوسط،  وفي أقصى شمال غربي سوريا، ويتصل من الشرق والجنوب الشرقي بمحافظتي إدلب وحلب ومن الجنوب بمدينة اللاذقية، ومن الشمال بمحافظة غازي عنتاب التركية.

في معاهد أنقرة التي عُقِدت ما بين فرنسا وتركيا، عام1921، قدمت فرنسا بعض الامتيازات لتركيا في لواء الإسكندرون.  وفي مايو (أيار) عام 1923، عقد الحلفاء معاهدة لوزان التي أقرت معاهدة أنقرة، ومنذ ذلك التاريخ، أصبحت اتفاقية أنقرة من أهم الأسباب التي تمسكت بها تركيا فيما يخص منطقة الاسكندرون.

على إثر معاهدة أنقرة، أراد المندوب السامي الفرنسي تنفيذ الاتفاق غير أنه لم يستطع ذلك بسبب صك الانتداب على سوريا والذي أقرت فيه عصبة الأمم أن يكون اللواء خاضع لدولة حلب. لم تيأس تركيا من محاولات عديدة لضم اللواء، واستمرت على ذلك حتى أصدرت عصبة الأمم في مايو1937 قرارًا ينص على نظام وقانون خاصين باللواء، وفي نفس اليوم عقدت تركيا وفرنسا اتفاقًا لضمان المحافظة على استقلال الإسكندرون ووضعه الجديد.

أرادت الحكومة السورية أن تصل إلى حل مع الأتراك يُفضي إلا اقتسام اللواء ما بين الدولتين، إلا أن الرئيس أتاتورك رفض هذا العرض مصرا على السيطرة على منطقة اللواء بشطريها أنطاكيا والإسكندرون. في الخامس عشر من يوليو1938، دخلت القوات التركية إلى منطقة الإسكندرون بعد انسحاب القوات الفرنسية.

بعد ذلك أُجرِيَ استفتاء تحت إشراف الفرنسيين أيد فيه المشاركون، غير العرب، الانضمام إلى تركيا،

إعدام الشرق والطريق الثالث.. أُكمِل ما تبقى في كتابات قادمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

تاريخ
عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد