*العنوان مستلهم من كتاب “أثقل من رضوى” للكاتبة الراحلة رضوى عاشور.

في المجتمعات التي يكثر فيها الصراع ويعلو فيها الصراخ العالي على صوت العقل، والاندفاع على التعقل، والبغض على التفاهم والحب، يجد التفكير الأحادي تربة خصبة لينمو ويترعرع بها، فيبدأ ببذرة حتى يصير شجرة وارفة تظلل على مجتمع كامل، أو مجتمعات بأسرها.

 

فبذرة التفكير الأحادي من الصعب أن تنمو في مجتمع حر ديمقراطي متفاهم يعي جيدًا ما يحتاجه ليصل إلى درجة كافية من التحضر، حيث إن تدفق الأفكار من اتجاهات مختلفة يُهذب المجتمع ويجعله أكثر قابلية لتقبل الآخر، مهما كان الآخر.

 

أما في بلدنا المنكوب للأسف ستجد العكس هو السائد، وستجد بذور التفكير الأحادي منتشرة في أراضٍ خصبة عديدة، وستجد أيضًا من يبرر هذا دائمًا ويصفه بضرورة المرحلة، في حين أن العكس هو الصحيح.

 

إذا أردت لمجتمع أن يرتقي فكره ويعي عقله فافتح أمامه الأفكار جميعها، واجعلها تتصارع في عقله، مزيج هذا التصارع سيكون أفضل كثيرًا من وجود فكرة واحدة، حيث من حق الإنسان أن يختلط بكل الأفكار، وعندما يختار فكرًا من بين كثير، حينها فقط يكون قد اختار.

 

 

أما عن الفكرة الأحادية التي لا ثانٍ لها، فإنها تفتح مجالًا واسعًا للغاية لنشر التطرف بأسماء مختلف الأفكار، فأنت تمتلك فكرة واحدة ولا تعرف غيرها ولا تريد أن تعرف غيرها، ستحارب من أجلها وقد ترتكب الكوارث في سبيلها، فهي “الفكرة الأحادية” التي تستحق التضحية بكل شيء من أجلها.

 

هذا ما جعل هتلر يجتاح أوروبا، وجعل داعش تجتاح الإنسانية، والتاريخ الإنساني يحكي في فصولٍ عديدة عن كوارث سببتها فكرة اتخذها أصحابها “أحدًا” لا ثانٍ له.

 

 

وهذا يظهر جليًّا في تصرفات بعض المتدينين على اختلاف ما يدينون به، فالدين هو أقوى الأفكار على الإطلاق وأخطرها خاصة حينما يتخذها أحد المهووسين “أحدًا”، فتصير كل الأفكار ضالة مضلة لا تستحق النظر إليها أو حتى التعاطف مع معتنقيها، وإن ماتوا أمامنا حرقًا.

 

 

وأظن أن مجتمعًا تربى على دعاء في خطبة كل جمعة على مدار حياته “اللهم اشفِ مرضى المسلمين” من الطبيعي جدًا أن يتشبع بفكرة الأحادية الفكرية، حيث يدعو لنفسه ولأهل فكرته بالشفاء دونًا عن العالمين، فهم فقط المستحقون بالطبع، أما غيرهم فهم “آخر” لا يستحق التعاطف.

 

 

ليس معنى هذا بالطبع ألا تؤمن بأفكار، ولكن ألا تعتبر فكرتك هي الوحيدة المستحقة للذكر، وأن تجد في باقي الأفكار حتى وإن لم تؤمن بها بعضًا من الصواب، أو حتى بعضًا من الاجتهاد للوصول للصواب، ستُقَدِرُ الآخر وأفكاره حتى وإن لم تقبلها، قد يُهدئ هذا من أثر الجنون السائد في العالم قليلًا.

 

بعد الحكم على متهمي قضية مجلس الشوري غرّدت الإعلامية اللبنانية ليليان داوود على تويتر قائلة: “شباب ما تخلو شيء يحبطكم، الشعب دا ياما شاف، وكمل. بأيدكم سلاح اسمه إرادة الحياة وجلادكم مش بأيده إلا يحاول سلبها منكم، اتمسكوا بيها”. هنا، فُتحت أبواب الجحيم وتدفق سم الأفاعي من كل حدب وصوب، محاولًا تشويه صورة ليليان واتهامها بإهانة الدولة والعمالة للخارج، وما إلى ذلك من اتهامات حمقاء لا أصل لها، ولكن الأمر أكبر من ليليان.

 

 

ما حدث مع ليليان من حملات لتشويهها ومطالبات بترحيلها لكونها غير مصرية وتتحدث في الشأن العام المصري، هو أحد صور مشكلة التفكير الأحادي، فمجتمعنا الآن لا يستطيع احتمال أي فكرة سوي السائد.

من يقولون السائد كثيرون، أما من هم أمثال ليليان ممن يشردون عن القطيع فطبيعي جدًا أن يتم اتهامهم وتخوينهم، فالمجتمع الآن يغلي، ولا أحد يريد مثل كلامها.

 

هذا حدث أيضًا مع باسم يوسف، وسيحدث مع أي شخص استثنائي يخرج عن هذا القطيع سيئ الذكر، فلا صوت يعلو فوق صوت المعركة بالطبع.

 

 

أما عن الحل في هذه المشكلة التي أظنها “كارثية” فأظن أن الحل هو فتح الباب للأفكار لتنتشر بين الناس، وحتى لا نكون محض متكلمين، فبكلمة الأفكار أعني “كل الأفكار”.

 

فمن غير المعقول أن نناقش حرية الفكر في نفس اللحظة التي نقيد فيها الفكر، دعوا الفكر ينساب كماء جارٍ، ودعوا فكر المجتمع “يتغربل”، دعوه يُقلب كالتربة حتى يُصبح جاهزًا للإثمار في يوم ما، لعلنا في يوم نعيش في مجتمع مثقف، واعٍ، يُقدر الآخر، يعرف ما له وما عليه، يقدر المرأة، يحترم الإنسان وحقوقه، ذي إنسانية حتى مع الحيوانات، يُقدس الحرية ويشعر أن في اختلاف البشر جمال.

 


هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد