عام (300هـ=913م)  كان نهاية عهد ضعف والذي كان أيضًا بداية لعصر قوي توحَّدت فيه الصفوف بعد تفرقها،وعلت فيه شأن البلاد حتى صارت الأندلس في ذلك العهد أقوى ممالك الأرض على الإطلاق تحت حكم أعظم ملوك أوروبا في زمانه: عبد الرحمن الناصر حفيد “صقر قريش”

في عصر تصاعدت فيه الثورات والاستقلالات في كثير من مناطق الأندلس فوصلت فيه الانقسامات إلى ستة مناطق تشبه الدويلات، فتوزعت فيه الأندلس بين كثير من القواد كل يبغي حكمًا ومالاً فكانت الحكومة المركزية للإمارة الأموية في قرطبة لا تسيطر على كل بلاد الأندلس إلا على قرطبة وحدها.

فيعصر كانت تواجدت فيه ثلاث ممالك نصرانية: “ليون-أراجون-نافار” تجرأت وتعدت هذه الممالك كثيرًا على بلاد الأندلس بعد أن كانت تخافهم وتخشاهم.

في عصر قتل فيه ولي العهد،حكومات نصرانية تهاجم من الشمال،ثورات واستقلالاتفي الداخل: هكذا يكون الحال حيث يتفرق المسلمون ويختلفون، حين ينشغلون بأمور دنياهم.

كما ظهرت أيضًا دولة شيعية خبيثة كل همها قتل علماء السنة في بلاد المغرب العربي، التي استعان بها أحد حكام الدويلات المستقلة في الأندلس”ابن حفطون” مما زاد الأمر تعقيدًافي البلاد.

كان الوضع في أقطار العالم الإسلامي مترديًا لدرجة أنه لم يكن هناك أي أمل في مدد لبلاد الأندلس؛ حيث كانت الأقطار كلهامشتتة مفرقة،فكان الناظر إلى بلاد الأندلس ليرى أنه لامحالة من انتهاء الإسلام فيها؛ حيث كان الوضع مهيأً للنصارى للدخول والقضاء على الإسلام، ولكن منَّ الله على المسلمين بعبدالرحمن الناصر.

 

من يكون عبد الرحمن الناصر؟

هو أمير المؤمنين الناصر لدين الله أبو المطرف عبدالرحمن بن محمد بن عبدالله بن محمد بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس.

نشأ عبد الرحمن يتيمًا حيث قتل عمُّه أباه لأنه كان مؤهلاً للإمارة وكان عمره آنذاك عشرين يومًا، ولكن كان جزاء عمه القتل على يد جده الذي تولى تربيته،فنال نصيبًا كبيرًا من رعايته ولعل ذلك كان عطفًا وشفقة عليه بعد مقتل أبيه، وقد اتصف جده بالتدين والورع مما كان له أثر في شخصية عبدالرحمن الناصر.

كان عبدالرحمن فتى شديد النباغة أبدى رغم صغر سنه تفوقـًا في العلوم والمعارف ودرس القرآن والسنة وبرع في النحو والشعر والتاريخ وكان ماهرًافي فنون الحرب والفروسية وكان جده يرشحه لمختلف المهام ويندبه للجلوس مكانه في بعض الأيام والأعياد لتسليم الجنود عليه فتعلقت آمال الدولة به وأصبح ترشيحه للخلافة أمرًا مقضيًا، فلم يحاول أحدأن يعترضه في المنصب أو ينازعه حتى أعمامه، وأعمامه من أبيه كانوا أول من بايعوه حتى تكلم بلسانهمعمه أحمد بن عبدالله فقال:”والله لقد اختارك الله على علم للخاص منا والعام ولقد كنت أنتظر هذا من نعمة الله علينا فأسأل الله إيزاع الشكر وتمام النعمة وإلهام الحمد”.

بعد تولى عبدالرحمن الحكم بعد تربية شاملة لكل مقومات الشخصية الإسلامية السوية، بثقة شديدة بالله وبنفسه،غيَّر مجرى التاريخ فأحال الضعف إلى قوة والفرقة إلى وحدة والذل إلى عزة فأعاد توزيع المهام والمناصب عزل من رآه غير صالح وولى من رأى فيه الكفاءة،حين تولى لم يكن يملك سوى قرطبة التي لم تكن تمثل أكثر من عشر مساحة الأندلس، أعلى من شأن العلماء،واجتهد في تطبيق بنود الشريعة.

بعد انتهائه من الشان الداخلي اتجه للثورات خارج قرطبة داخل الأندلس فأرسل الحملات والسريات للمدن والقلاع القريبة من قرطبة فحقق النصر على العصاة وأصبحت قوته تضم جميع مدن الجنوب إلى جانب بعض الحصون وكل ذلك يمثل مدن الأندلس وكما ذكرت سابقـًا أن الأندلس كانت مقمسة لستة أقسام، قسم واحد فقط في يد عبدالرحمن الناصر والخمس الأخرى موزعة على خمسة متمردين والمتوقع أن يتجه عبدالرحمن الناصر لأحد مواقع التمرد وبخاصة الأقرب منه، ولكن كان العجيب والذي يعد درسًا لنا ولكل حكام العرب أنه اتجه نحو الشمال الغربي نحو مملكة ليون النصرانية فهزمهم، وكان بذلك يريد أن يرسل رسالة لكل المسلمين بأن الأعداء الحقيقيين ليسوا المسلمين في الداخل.

وبهذا العمل أحرج المتمردين أمام شعوبهم، واستطاع أن يحرك العاطفة في قلوب هذه الشعوب هذه العاطفة التي تتحرك نحو من يدافع عن قضاياهم الخارجية ونحو من يحارب الأعداء الحقيقيين، وهذه رسالة لنا ولأولياء أمورنا فبدلاً من التصارع مع الجار والقطر والحزب والفرقة المسلمة يجب أن نتجه نحو العدو الحقيقي.

وبهذه السياسة استطاع عبدالرحمن الناصر أن يوحد الأندلس تحت راية واحدة بعد كفاح مضني دام ستة عشر عامًا، وكان عمره آنذاك لم يتجاوز الثامنة والثلاثين، وهذا توفيق من الله لمن يهتم لأمر المسلمين وأمر آخرته لا لدنياه، فليت حكامنا يقرأون سيرة عبدالرحمن الناصر وجميع حكام الأندلس وحكام المسلمين في عصر قوة المسلمين ليتعلموا معاني القيادة.

وحَّد الأندلس وصنع قوة عظيمة وسمى نفسه أمير المؤمنين وسمى الإمارة الأموية بالخلافة الأموية واتبع في حكمه سياسة عسكرية توسعية والقارىء لسيرته وتاريخه سيرى كيف كانت حياته كلها جهاد حروب وغزوات، ولكنه لم يهمل الجوانب الأخرى فقامت في عصره نهضة حضارية هي الأعظم بين مثيلاتها في ذلك الوقت على المستوى المعماري والاقتصادي والعلمي.

ولن يسعنا ذكر إنجازاته لذا أنصحك أيها القارئ بقراءة سيرته لتعلم بنفسك كيف كان هذا عبدالرحمن الناصر أعظم ملوك أوروبا والذي جعل إسبانيا عام(1963م) تحتفل –وهي على نصرانيتها-بمرور ألف سنة على وفاة أعظم ملوك إسبانيا على مر العصور فلم يخفوا إعجابهم به كيف وقد كانت الأندلس في عهده أقوى دولة في العالم.

كان شهمًا محمود السيرة لم يزل يستأصل المتغلبين حتى تم أمره بالأندلس واجتمع في دولته من العلماء ما لم يجتمع في دولة لغيره له غزوات عظيمة ووقائع مشهورة تُوفي رحمه الله في رمضان سنة(350هـ=961م) عن اثنين وسبعين عامًا.

في سيرته دروس لنا ولأولياء أمورنا، وهي بالضبط ما نحتاج تعلمه في أيام فرقتنا وتشتتنا هذه وهى الحل لكل ما نحن فيه لنعلم من العدو الحقيقي لنا.

كما أنصحك بقراءة كتاب الدكتور راغب السرجاني “قصة الأندلس” لترى سنن الله في تاريخ الأندلس وعوامل سقوطها لتتعلم وتتألم من الأحداث التي جرت في الفردوس المفقود”الأندلس” اقرأ هذا الكتاب وغيره من الكتب التي تروي تاريخ الأندلس لتعلم كيف تقام الأمجاد وكيف تضيع،فلئن كنا نسعى في نهضة أمتنا ورفعتها فلأن نسعى ونحن نعلم وندرك خبرة الماضي خير من أن نسعى ولا ماض لنا ولا خبرة.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

كتاب الأندلس من الفتح إلى السقوط للأستاذ راغب السرجاني.
عرض التعليقات
تحميل المزيد