تحل ذكرى موقعة ميسلون، أو ممر ميسلون القريب من جبال لبنان، في الرابع والعشرين من شهر يوليو (تموز) كل عام حيث وقعت في بلاد الشام في عام 1920 بين المتطوعين السوريين بقيادة وزير الحربية وقتها يوسف العظمة في حكومة الملك فيصل بن الحسين الذي أعلن نفسه ملكًا على كامل بلاد الشام وبين القوات الفرنسية بقيادة هنري غورو.

وطبقًا لاتفاقية سايكس بيكو التي أبرمت عام 1916 كانت سوريا من نصيب فرنسا، رغم دعم إنجلترا لفيصل ووالده الشريف حسين من قبل في القيام بالثورة العربية ضد الدولة العثمانية في عام 1916، إلا أنها (إنجلترا) تخلت عنه (فيصل) بعد هذه الاتفاقية ولم يدم ملكه سوى أربعة أشهر فقط.

بعث الجنرال الفرنسي غورو، الذي كان مرابطًا بقواته في بيروت، إنذارًا إلى فيصل يطالبه فيه بتسريح الجيش العربي وتسليم إدارة السكك الحديدية للسلطة الفرنسية وقبول تداول ورق النقد الفرنسي السوري، ومطالب أخرى تقضي على استقلال ما كان يعرف وقتها بسوريا الكبرى وثرواتها.

في بداية الأمر تردد فيصل ووزارته في قبول الإنذار، لكنهم وافقوا بعد ذلك على تنفيذ المطالب، فأرسل فيصل برقية إلى غورو بالموافقة، لكن العظمة الوحيد في حكومة فيصل الذي رفض هذا الأمر بشدة وقرر المواجهة.

ورغم تسريح الجيش العربي المرابط وتراجعه بأمر من فيصل، إلا أن الجيش الفرنسي بقيادة غورو بدأ في التقدم والزحف، وادعى غورو أن برقية الملك لم تصل بسبب انقطاع الاتصالات وقتها، وفي رواية أخرى وصلت بعد انتهاء المدة المحددة.

ولما تقدمت القوات الفرنسية وتطور الأمر، استنجد فيصل بالوطنيين السوريين، لتكوين جيش أهلي مكان الجيش الذي تم تسريحه للدفاع عن البلاد، وعلى إثر ذلك تسارع شباب دمشق وشيوخها إلى ساحة القتال في ممر ميسلون.

كان القائد العظمة على رأس المتطوعين من الضباط والجنود غير النظاميين الذين بلغوا قرابة 3 آلاف أو 4 آلاف يحملون البنادق الإنجليزية متجهين إلى ميسلون، ولم تكن مع القوات طائرات أو دبابات أو أسلحة ثقيلة، في حين بلغ عدد القوات الفرنسية 9 آلاف جندي مزودين بالأسلحة الثقيلة والطائرات والدبابات.

اشتبك العظمة وقواته مع الجانب الفرنسي في صباح يوم 8 ذي القعدة 1338 هـ / 24 يوليو 1920 في معركة غير متكافئة من حيث العدد والعتاد، استمرت لساعات قليلة فقط، حيث استخدمت القوات الفرنسية الطائرات والدبابات والمدافع الثقيلة.

لم يستسلم العظمة ورفاقه البواسل في المعركة رغم توقعهم النتيجة، بسبب القوة غير المتوازنة وغير المتكافئة بين الطرفين، لكنه آثر الموت على أن يجلس ينتظر قدوم القوات الفرنسية ويستسلم في ذل وهوان.

كان العظمة يريد أن يحفظ لسوريا تاريخها العسكري المشرف، لذا رفض منذ البداية تسريح الجيش وعارض هذا القرار بشدة وعندما لم يجد بُدا، قرر ملاقاة العدو حتى ولو بمفرده، لكنه قتل بنيران العدو، وقتل 400 جندي من السوريين مقابل 42 من الفرنسيين.

كل ما كان يشغل عقل العظمة أن يُكتب أن الجيش السوري تقاعس عن ملاقاة العدو ولم يحاول الذود عن تراب الوطن، ومن ثم يدخل العدو المغتصب البلاد دون مقاومة ويعيث في الأرض فسادًا ويروع المواطنين ويسلب خيراتهم ويستغل مواردهم ويسخرهم لمصالحه.

بعد هزيمة السوريين، دخل الفرنسيون بقيادة غورو دمشق في اليوم التالي رغم أنه كان يستطيع أن يدخلها يوم المعركة، لكنه فضل أن يدخل في زينة وموكب المنتصر، حيث طلب زيارة ضريح صلاح الدين الأيوبي، القائد الكردي العظيم الذي هزم الصليبيين وحرر بيت المقدس في معركة حطين سنة 1187، 583 هجرية بعدما هُزِمَ الصليبيون هزيمة منكرة. وعندما وصل غورو إلى ضريحه، قال: ها نحن عدنا يا صلاح الدين.

لم يستسلم السوريون بعد احتلال القوات الفرنسية لبلادهم، بل قاوموا المغتصب في ملاحم عدة سطروا فيها العزة والكرامة والشرف والبسالة، استمرت المقاومة على مدى 26 عامًا حتى استقلت سوريا عن فرنسا في 1946.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد