أمر الإخشيد بهدم المواخير ودور المقامرين والقبض عليهم، وأُدخِل عليه جماعة من المقامرين وعُرضوا عليه، وفيهم شيخ حسَن الهيئة. فقال الإخشيد:‏ «وهذا الشيخ مقامر؟!»‏ فقالوا له:‏ «هذا يُقال له «المُطَمِّع». فقال الإخشيد: «وما المُطَمِّع؟» قالوا: «هو سبب رواج حال دار القمار، وذلك أن المقامر إذا خسر ما معه من مال، قال له المُطَمِّع:‏ «العب على ردائك فلعلك تغلب»، فإذا ذهب رداؤه قال له: «العب على قميصك حتى تغلب به». وهكذا حتى يبلغ نعليه، بل ربما أقرضه مالًا حتى يخسره.. ولهذا الشيخ من صاحب دار القمار جراية يأخذها كل يوم لقاء صنعه هذا».

فضحك الإخشيد وقال:‏ «يا شيخ، تُب إلى الله من هذا»، فتاب الرجل، فأمر له الإخشيد بثوب ورداء وألف درهم. وقال:‏ «يُجْرَى عليه في كل شهر عشرة دنانير»، فدعا له الشيخ وشكره وخرج، فقال الإخشيد:‏ «رُدُّوه!»‏ فلما لحقوا به وردُّوه، قال الإخشيد:‏ «خذوا منه ما أعطيناه وابطحوه واضربوه ستمائة جلدة!».. ثم قال للشيخ:‏ «تطميعنا خير أم تطميعك؟»

قصة تلخص واقع ما وصل إليه حال وطننا، حيث أصبح نادي قمار كبير، والكل فيه يلعب دور المُطمع للأخرين، والكل يلعب ويخسر، وليس هناك فائز حقيقي سوى صاحب نادي القمار، من يدير اللعبة في الخفاء.

تبدأ قصتنا مع نوادي القمار منذ أن أغرى صاحب نادي القمار أحد حراس الأمن فأدخله من على باب النادي إلى داخل الجدران المخملية، والتي تسكنها شياطين الشهوة التي تتلبس من يدخل بين جنباتها، شهوة المال، شهوة السلطة، شهوة الشهرة، والتي إن اجتمعت على شخص أصابوه بشهوة جنون العظمة، وهذا ما حدث لرجل الأمن الذي لم يكن يومًا قد وطأت أقدامه ذاك النادي، كانت كل صلته به، إنه يقف يحمي ويأمن من كان يراهم سادة، فجأة وبدون أي مقدمات وجد نفسه بينهم، يغريه صاحب النادي باللعب ليشاركهم رأسًا برأس، أعطاه المال وأخبره بجزء من سر اللعبة كي يكسب، قامر الجندي وفاز، فطمعه صاحب النادي بالفوز الكبير إذا نجح بتطميع باقي أفراد الأمن وغيرهم باللعب، سيكون السيد كلما زاد من يدخلهم إلى نادي القمار.

ومن هنا دخل العسكر نادي القمار الكبير (السياسة)، وأدخلوا معهم الوطن عنوة داخل دائرة التطميع، كلٌ يطمع الآخر من أجل مكسبه الشخصي والكل صار يقامر ويخسر.

سنروي أخر جولات التطميع داخل أروقة القمار المسماة وطن، حينما أغرى مدير اللعبة، أحد العسكر مرة أخرى مطمعًا إياه بالحكم، حتى يتخلصوا من الديمقراطية الوليدة “المكسب الوحيد الذي استطاع الشعب أن يفوز به بعد عقود من الخسارة داخل النادي”، لم يحتمل صاحب النادي أن يفوز أحد اللاعبين ويخرج من منظومته، فارًا بمكسبه الصغير، كي يستثمره، بعيدًا عن المقامرة، يستثمره فيكبر ربحه، ويصير من السادة عن حق، فأرسل خلفهم أحد العسكر، ليطمعهم من جديد في اللعب، فصار يطمع أفراد الشعب كل على حدة، فيغري البعض بالمال، ويغوي البعض الآخر بالسلطة، ويداعب أحلام الصغار منهم بالشهرة، حتى وقع الجميع بالفخ.

لم نتعلم، قامرنا سنوات مع العسكر، على أمل أن نكسب، وأن نتقدم ونستعيد مكانتنا التي سلبت منا بالاستعمار لعقود، ولما يئس الشعب بعد أكثر من 60 سنة مقامرة على جواد العسكر؛ ثاروا؛ لعل وعسى يستطيعون بجواد الديمقراطية والحكم المدني أن يلحقوا بركب التطور، فكانت ثورة يناير التي استعدنا بها كرامتنا المسلوبة، ولكن العسكر بقيادة السيسي، من طمعهم الغرب في العودة للحكم مرة أخرى، إذا ما أفشلوا تلك الثورة و وأدوا تلك الديمقراطية بمهدها، استطاعوا بمهارة أن يفتتوا عضُد الثوار، بمهنتهم التي أجادوها منذ عقود “المُطمّع” بثوبه العسكري الذي كان يحترمه الشعب من المهد إلى اللحد.

فطمع الليبراليون والعلمانيون في إيصالهم للحكم، مستغل كرههم للتيارات الإسلامية، ثم ذهب لتيار إسلامي آخر مُطمّعا إياه أنه الأحق بالجلوس على كرسي الحكم فهم حماة الشريعة، ثم ذهب ليطمع شباب الثورة، بأنهم أحق بالحكم فهم من دفعوا دماءهم في سبيل الحرية، وأن غيرهم امتطوا ظهورهم و وصلوا للحكم. وارتدى زي الحمل أمام الإخوان الذين وصلوا للحكم بانتخابات ديمقراطية، مظهرًا الولاء لهم.

هكذا لعب السيسي وعسكره معنا دور المُطمّع، وكل من هؤلاء اللاعبين لعب مع الموالين له دور المُطمّع. حتى خسرنا جميعا مكسبنا اليتيم “ثورة يناير”، فتقاتلنا على وهم المحافظة على الثورة وحمايتها من الآخر، نجح العسكر في جعلنا أعداء بعد أن كنا واحدًا، فقتلنا الثورة ونحن نتجاذبها فيما بيننا، ثم جلسنا نبكيها كالنساء على ملك لم نحافظ عليه كالرجال.

إنها سياسة “فرق تسد” التطّميع الذي جعلنا نلعب ونخسر الثورة، والأرض، والدماء، والعرض.

أما هو فلقد قامر بنا السيسي دولةً وشعب، إرضاءً لمُطمّعه كي يظل على كرسي الحكم، لقد جعلنا السيسي عرايا أمام الجميع، كل مقدراتنا وتاريخنا وجغرافيتنا، بيع ما بيع منها، والباقي معروض بالمزاد لمن يدفع أكثر.

“ألا أونا.. ألا دو.. ألا تريه”.. من يشتري مصر؟

وسُئلتُ عن مصرَ الهرمْ …
سرقوا أساورَها ؟ نعمْ
قطعوا جدائلَها ؟ نعمْ
نهبوا مكاحلَها ؟ نعمْ
نزعوا الأظافرَ، والخواتمَ، والقلادةَ، والقلمْ
سرقوا اللباسَ الخارجيْ ،والداخليْ
تركوها عاريةً… عَرضُوها في سوقِ النِّخاسةِ
ثم بِيعَتْ للكلابِ، وللرِّمَمْ
ثمَّ أصبحْنا خدَمْ
في الصبحِ ضربٌ بالسياطِ
وفي المساءِ هناكَ ضربٌ بالجِزَمْ
والكلُّ فينا مُتَّهَمْ… ويُدانُ إن يَنْفِ التُّهَمْ
ويُصنِّفوننا عندَهمْ… شعبًا عبيطًا مُحترمْ
والسيدُ السلطانُ يجلسُ يبتسمْ
فلتسألوهُ: هل التَزمْ ؟
حلفَ القسمْ ؟… كانَ القسمْ
عنَّا يَزودُ، وأن يَقودَ، وأن يَجودْ
بالقسطِ يحكمُ إن حَكَمْ
يا سادتي واللهُ أعلمُ ربَّما ..
كانَ القسمْ (واللهِ منكم يا كلابُ سأنتقم)
وقد انتقَمْ.

ولكن ما زلنا نملك حل لكي ننقذ ما بقي من مصر قبل المزاد النهائي، فلنا عبرة بنهاية قصة الإخشيد مع المُطمّع، هي مخرجنا الوحيد هو أن نكون نحن “الإخشيد” بقوته وحكمته، أن نأتي بالمطمّع “العسكر” فنأخذ منهم ما أخذوه، ويجلدوا “بأن يكون كبراؤهم الذين باعوا الوطن” عبرة كي نتخلص من خونة باعوا وطنهم ليعلموا “تطميعُنا خير أم تطميعهم”!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد