يشاهد العالم بأسره، التوتر القائم حاليًا بين الأقوى اقتصاديًّا باعتراف الجميع «أمريكا»، وبين الحائز على تعاطف الأغلبية العربية والمسلمة «تركيا»، فما سر زيادة «العقوبات» على تركيا؟ وهل تقتصر الأزمة فقط على حبس «القِس» في أنقرة؟

بداية اشتعال فتيل الأزمة، بعكس ما يصوره الإعلام، هو تراكم خلافات أمريكية– تركية، منذ عدة سنوات، فإذا أمعنّا النظر جيدًا، نرى خلافاتٍ تتجاذب التصعيد من عدة زوايا!

الزاوية الأولى «وهي الأقدم»، هو الملف السوري الشائك بين البلدين، ويُعزى سبب الخلاف فيه، إلى دعم أمريكا «الأكراد» في شمالي سوريا، وهو ما يُغضب تركيا؛ إضافة إلى تنفيذ الأخيرة «تركيا» عمليات عسكرية كـ«غصن الزيتون»، وغيرها في سوريا للزود عن حيادها، والتي كانت ناجحة بالفعل.

الزاوية الثانية، «متوسطة الحداثة»، هو شراء تركيا منظومة الدفاع الجوية الأقوى في العالم، «إس – 400»، عبر اتفاقية أبرمتها تركيا مع روسيا. وهو ما نغّص الهناء الأمريكي، بل دفع أمريكا إلى التلويح بعقوبات قد تفرض على الجانب التركي، إن لم يجري التراجع عن تلك الخطوة العسكرية البحتة!

الزاوية الثالثة، «وهي الأحدث»، هو علاقة أنقرة القويّة بطهران الإيرانية، وإصرار تركيا على استمرارية شراء الغاز الطبيعي من إيران بحكم الاتفاقية بين البلدين، والممتدة لعام 2026. وذلك برغم فرض أمريكا العقوبات على الأخيرة؛ الأمر الذي قوبل بتصريح «تركي اللغة»، بأن تركيا لن توقف علاقاتها ومصالحها التجارية مع إيران لصالح أي جهةٍ كانت.

بعد كل تلك الخلافات والمشاكل، زاد الطين بلّةً، اعتقالُ القس الأمريكي «أندرو برانسون» – الذي يخضع للإقامة الجبرية في منزله في تركيا حاليًا– المتهم بالتعاون والتعامل مع الإرهاب المتجسّد «فتح الله كولن»، وتنظيمه والمتهمون بتدبير محاولة الانقلاب العسكري الفاشل في يوليو (تموز) 2016.

اقتراح الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، في شهر سبتمبر (أيلول) من العام الماضي، بالإفراج عن برونسون المعتقل منذ 18 شهرًا؛ إذا سلمت واشنطن كولن، في صفقة تبادل، لم يلقَ استحسان الطرف الأمريكي. بل دفعه إلى التهديد بفرض عقوبات أكثر. بالإضافة إلى تجميد حسابات وزيري العدل والداخلية الأتراك في أمريكا، وهو الأمر الذي جرى الرد عليه بالمثل من الجانب التركي.

لذلك بدأت قيمة الليرة التركية بالانهيار شيئًا فشيئًا أمام الدولار، فقد أصبحت المائة دولار تساوي حاليًا 640 ليرة تركية! مما دفع الرئيس التركي إلى دعوة شعبه لقلب جميع العملات الموجودة بين يديهم إلى الليرة التركية، لإعادة ترميم شظايا حرب «الأوراق القُطنيّة» مُصرحًا: «تقلبات الليرة التركية محض مخطط يستهدف تركيا… لكن الشعب التركي لن يستسلم!» «وهي ليست المرة الأولى التي يقوم بها الشعب بهذا الفعل، بل سبق وأن أنقذ بلاده من هذه الكارثة!». والجميل أيضًا، أن هنالك تضامنًا تركيًّا واسعًا مع هذه الأزمة، ليس فقط في الداخل التركي، بل خارجه كذلك.

فمثلًا -في لبنان- انتشر إعلان يحضّ قارئيه على صرف دولاراتهم يوم الاثنين 13أغسطس (آب) 2018، إلى العملة التركية، كإجراء تضامني وخطوة معنوية من أجل مساندة الأتراك في محاولة تسجيل موقف ضد الطرف الأمريكي، الذي يعبث بجميع الأطراف كما يحلو له، دون مسؤولية بحسب الكثير من المحللين والنقاد.

بعد كل ما تقدَّم، إلى أين ستصل الأزمة الأمريكية- التركية؟ وهل ستخرج تركيا من عنق الزجاجة الخانقة التي تُحشر فيها الآن؟ أم أنه سيكون للسياحة الصيفية «الهائلة» في تركيا، والدعم الإقليمي المُحتمل رأي آخر؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد