تعد المساحات الخضراء المتنفس الواسع الوحيد الذي يجمع العديد من الناس، لا تجمعهم القرابة ولا الصداقة؛ وإنما الحاجة للجلوس وسط الحشائش الخضراء، واستنشاق الهواء النظيف، والاسترخاء وحتى الاستلقاء، وكل ما يشمل الراحة النفسية الناتجة عن الجلوس في أمكنة هادئة جميلة مثلها، لكن السؤال المطروح. هل نحافظ على نظافة هذه المساحات الخضراء؟ هل ننظف مكان جلوسنا قبل وبعد الجلوس؟ هل نساهم في توعية الناس وإشعارهم بخطورة إلقاء النفايات في الحدائق؟

بالنظر لما تشاهده أعيينا في الواقع، ندرك جيدًا أن نسبة كبيرة لا تهتم بالنظافة حقًّا، تستطيع رمي القمامة في الطريق وفي الحديقة ولا تستطيع رميه في مكب النفايات أو الحاوية، لكن مع من ستتحدث؟ كيف لشخص لم يحركه ضميره أن تحركه كلماتك أنت؟ شيء صعب حقًّا.

الحديقة أو الحي والشارع مثلهم مثل المنزل، واجبنا الحفاظ على نظافتهم، بغض النظر عن دور رجال النظافة، لأنهم صراحةً يقومون بأكثر من جهودهم في صد المد الهائل من القمامة المتراكمة، ولا يستطيعون لذلك سبيلًا، فما إن ينتهون من مكان حتى يمتلئ آخر، في حين حاويات القمامة فارغة في أمكنتها تطلب الزائرين.

هنالك مشاهد حقيقية مؤلمة قد شوهدت، قمامة تغطي مساحات خضراء، نفايات مكبوبة في جوانب الطرقات، إن هذه الأفعال غير الأخلاقية ناتجة من عقل فارغ غير واعٍ، إنها مدينتنا والوطن وطننا، والعالم عالمنا، نعيش فيه جميعًا، وإن أردنا المحافظة على استمرارية هذه الحياة النابضة؛ فأول ما يجب علينا القيام به، هو التصدي لمثل هذه الأفعال الشنيعة التي تعد جريمة في حق البيئة، يجب تفعيل غرامات مالية كما هو الحال في العديد من الدول الأوروبية، وقد يصل الأمر فيها إلى السجن، وهذا يدعو للدهشة، لكنها الحقيقة، حقيقة تقديرهم للبيئة التي يعيشون فيها واحترامهم لها، والتزامهم كذلك بحمايتها. أما بعض؛ بل كثير في بلداننا العربية ومدننا العريقة، لا يقدر هذه المسألة، وقد يقول قائل هذا مرجعه غياب التوعية والتوجيه. نعم بالفعل، فكيف للأجهزة الإعلامية أن لا تخصص وقتًا من كل يوم للتحدث في هذا الموضوع وتوضيحه توضيحًا مفصلًا، موضحةً العواقب أيضًا، فأغلب الناس لا يقدرون الالتزام إلا إذا تم وضع غرامة مالية محددة على فعل من الأفعال.

هنالك فرق بين رونق جميل يسر الناظرين، مليء بالأزهار والأشجار، والحشائش يداعبها الريح، والهواء صافي، ومنظر قبيح تطغى عليه القمامة والروائح المنبعثة الكريهة. إن الوضع في الخارج يعبر عن وضعنا في الداخل، هما وجهان لعملة واحدة، من ينظف منزله وحديقته الأمامية، أو باب المنزل، مهما كان الثمن سينظف مكان جلوسه في حديقة من الحدائق، في مساحة خضراء من المساحات، التي هي في الحقيقة لنا، خُصصت لنتنفس فيهم الصعداء ونرتاح، لنغير الجو من المناضد والكراسي والطاولات، إلى مد أخضر ملئ بالأشجار والأزهار ويبعث في النفس الطمأنينة والهدوء.

باعتبارنا أفراد، مواطنين منتمين لهذه البيئة، بوجه عام وخاص من كلا الناحيتين، فمن واجبنا الالتزام بواجباتنا، العالم ككل عالمنا، يتسيده الإنسان لكونه المخلوق العاقل، المالك لمَلَكة العقل، إذ من واجبنا أيضًا استعماله، استعماله فيما يفيدنا نحن وغيرنا، فيما يشكل إضافة إنسانية واعية للأجيال القادمة، علينا جميعًا تفادي هذه الأفعال الصبيانية، والتصدي لكل يد ترمي النفايات في غير مكانها، وتلوث الحدائق، وتساهم في تلويث البيئة بشكل عام. حفاظنا على البيئة يعني حفاظنا على سلامة استمراريتنا، ودمار الطبيعة يعني دمارنا. وبالتالي فلنكن عقلاء واعين بأفعالهم وتصرفاتهم، ولنحترم العقل الذي نمتلكه ونقدره كذلك.

هذا من جهة، أما الجهات الأخرى المدمرة فهي كثيرة ولا تقتصر على رمي القمامة فقط، وإنما تقوم بأفعال شنيعة لدرجة كبيرة، وهذا يشمل موضوعًا آخر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد