ظهرت في نهاية الثمانينيات من القرن الماضي مرحلة التسويق الأخضر، خلال ذلك اتضحت سلسلة مشاكل وأحداث بيئية متتالية بينت مدى هشاشة البيئة والإنسان فيها، في عام 1984 حدثت أكبر كارثة كيميائية، والتي عرفت بكارثة بوبال في مصنع للكيماويات في الهند، عام 1995 اكتشاف ثقب في طبقة الأوزون، عام 1986كارثة تشيرنوبيل، وفي عام 1989 أدى تسريب ناقلة النفط Exxon-Valdez إلى تقليص عدد الكائنات البحرية في شاطئ المحيط بمضيق الأمير ويليام، وبناء على ذلك واجهت الصناعات السمكية في هذه المنطقة انخفاضًا حادًا في الإيرادات.

مع تصدرت هذه القضايا وسائل الإعلام ومانشيتات الصحف اكتسبت قضية التسويق الأخضر زخمًا جماهيريًا واسعًا، حيث برزت إلى السطح بعض القضايا المعقدة مثل تغير المناخ العالمي، وتزايد استنزاف الموارد الطبيعية، وتلوث الهواء الناجم عن الغازات العادمة، وتلف البيئة الطبيعية نتيجة عوادم ومخلفات الصناعة، وقطع الأشجار من الغابات وتقلص المساحات الخضراء، وإنتاج وتسويق سلع ضارة بالبيئة والإنسان، فضلًا عن سوء تعامل الإنسان مع البيئة، هذه الأسباب البيئية دفعت المستهلكين للاهتمام بهذه القضية كما أظهرت أن لديهم وعي تجاه بيئتهم، في الولايات المتحدة الأمريكية أجريت دراسة عام 1990 أظهرت أن 82% من المستهلكين مستعدين لدفع قيمة أعلى بنسبة 5% للمنتجات الصديقة للبيئة، كما أن أوربا أظهرت دعمًا أقوى في البدء بإقرار سياسات خضراء، هذا الاهتمام الواسع أدى إلى ظهور توجه جديد في هذا الإطار، اصطلح عليه بالبيئة المعتمدة على السوق الذي يجعل من الربح متفقًا وحاجات المستهلكين والقيم الاجتماعية والتأكيد على البيئة ومساهمتها في خفض التكاليف وزيادة المبيعات وتحقيق الأرباح.

في الطريق نحو الهدف

تعتبر ألمانيا معقل التكنولوجيا الخضراء حيث توجد توربيانات رياح في الحقول والبحر وأيضًا تخمير غاز حيوي للطاقة وألواح طاقة شمسية، في السنوات الأخيرة زادت حصة الطاقة المتجددة باضطراد من 1% في عام 1990 إلى ما يقارب 5,11 % في عام 2013، هذه النسبة هي طاقة خضراء «انبعاثات ضارة أقل»، رغم ذلك بما يقارب 145 مليون طن ثاني أوكسيد الكربون، هو إنتاج ألمانيا وحدها في ذلك العام.

تهدف ألمانيا إلى زيادة الطاقة الخضراء بحلول عام 2020 إلى 18% والاتحاد الأوربي يحاول تحقيق 20% لكن ألمانيا تحتل مركزًا وسطيًا في المعدل الأوربي للطاقة الخضراء حيث أن البلدان الرائدة هي «الدول الاسكندنافية وكذلك البرتغال ورومانيا » أما الدول ذات الاقتصاديات الكبرى «فرنسا – إيطاليا – أسبانيا – ألمانيا» تحتل موقعًا وسطًا، أما أسفل القائمة فقد نالته المملكة المتحدة ومعظم دول الاتحاد الأوربي الشرقية.

الإيمان بالفكرة

تسعى كبرى الشركات العالمية إلى وضع خطط استراتيجية للمحافظة على البيئة، وتهدف هذه الخطط التي يتم القيام بها باعتبارها جزءًا من برامج المسؤولية الاجتماعية للشركات للحد من استخدام الموارد الملوثة للمحيط والمؤثرة على استنزاف المواد الأولية المستخرجة، كما أن هناك العديد من الأسباب التي تدفع بهذه الشركات إلى اعتماد مبدأ التسويق الأخضر في منتجاتها منها:

-1 أن تبني التسويق الأخضر هو فتح طريق لفرص جديدة أمام مستقبل الشركة.

-2 اعتماد الفعاليات المتعلقة بالبيئة تمثل للشركة عنصرًا تنافسيًا ضاغطًا بالنسبة للشركات المنافسة.

3- التعاون المسؤول فيما بين الأطراف ذات العلاقة يحُد من إخراج النفايات الضارة بالبيئة.

-4التخفيض من تكلفة الإنتاج من خلال إعادة تدوير المواد المصنعة من جهة والترشيد في استخدام الموارد المتاحة.

5 – رفع الروح المعنوية لرجال الأعمال من خلال إشراكهم في تبني قضايا سلامة البيئة بحساسية عالية.

-6اظهار الالتزام والتوافق ما بين الشركات والحكومات جنبًا إلى جنب من خلال اعتماد سياسات وبرامج صديقة للبيئة .

قرار جريء

أعادت هذه الشركة صياغة مفاهيم العمل من الألف إلى الياء لكي تكون صديقة للبيئة؛ حيث كانت هذه الشركة تستخدم بما يقارب الـ200 مادة مضافة مصنعة في الأغذية التي تنتجها ومع ذلك فإن الخبراء كان لديهم إحساس بأن أطعام الأغذية متشابه الطعم لذلك قررت العودة إلى الطعم الحقيقي من خلال الطبخ التقليدي والابتعاد عن التكنولوجيا في صناعة الأطعمة، لكن السؤال هنا كيف يمكن كسب ثقة المستهلكين بجدية التغيير؟ هل الصناعة المستدامة هي الحل؟

في البداية جلبت الشركة طهاة حقيقيين وتم التوقف عن أخذ رأي أي تقني في صناعة الأغذية في شركة فروستا وتم التركيز على الطعم الطبيعي للأغذية، وتم التخلي عن مكونات لم تكن ضرورية للأطعمة، كما أنها بدأت باستخدام آلات جديدة صديقة للبيئة، كما أنها استثمرت في الأشخاص الذين تولوا مهمة مزج التوابل بأنفسهم بدلًا من الطريقة الميكانيكية السابقة ولكن ذلك يعني ارتفاع تكاليف الإنتاج.

خلال ذلك انخفضت المبيعات بشكل ملحوظ كما قامت الشركة أيضًا بتسريح بعض العمال لديها وساور إدارة الشركة شك فيما إذا كانت في المسار الصحيح لاعتماد هذه التقنية وهل المستهلك سيتجاوب مع الأغذية الصحية التي تنتجها الشركة.

بعد تجربة استخدام المواد الطبيعية كانت الشركة محقة في تطويرها هذا، وتوصلت الإدارة إلى نتيجة مفادها أن عليها ملاءمة التقنية مع المنتجات وليس العكس، فقد كانت في الماضي تنتج الأغذية بصورة تتوافق مع الآلات.

الآن تم تغيير أطر العمل في الشركة بطريقة جذرية حيث حلت الشفافية في الإفصاح عن المكونات محل السرية في صنع كافة المواد الغذائية كالسمك والخضروات والتي يتم التحقق من مصدرها بدقة، كما تم تغيير أسلوب استخدام الطاقة الكهربائية، فالإدارة بدأت بالاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة وأثمرت جهودها بمرور الوقت، فقد عادت الشركة تدريجيًا لتحقيق الأرباح.

فروستا الآن قادرة على تمويل حملة إعلانية تلفزيونية باهظة التكاليف لمنتجاتها، لكنها تفضل استخدام الإنترنت لعرض منتجاتها فقد اتخذت قرار الاستفادة من أسلوبها المستدام الجديد في تحقيق الأرباح من خلال توفير الطاقة والنفقات، أيضًا فإن ما قامت به الشركة له أسباب اقتصادية.

منتجات فروستا ارتفعت بنسبة 10% والمستهلك تقبل هذا الفرق السعري وارتفع مؤشر ثقته بمنتجاتها، لذلك فإن رسالة الشركة هي أن الاستدامة والشفافية مجدية اقتصاديًا.

من أجل تحقيق ذلك توجهت كبرى المنظمات والشركات العالمية «بحذر» نحو تبني مفهوم حديث للإنتاج، يصطلح عليه بالإنتاج الأخضر والتي ترى فيه أنه المنهج الكفيل بحل معضلة التصادم بين تحقيق مصالح المنظمة المنتجة والمجتمع، إلا أن تبنى هذا المنهج من قبل المنظمات غير كاف لنجاحها مالم يقابله رد فعل إيجابي واع من المستهلكين للمنتجات الخضراء
واستعمالها بشكل بديل لسابقتها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد