لم تكن المشكلات البيئية شاغلًا رئيسًا قط في تخصص العلاقات الدولية الذي ركز تقليديًّا على مسائل تتعلق بالسياسة العليا، كالأمن والصراعات بين الدول مثلًا. إلا أن التصاعد في المشكلات البيئية عبر الحدود اعتبارًا من عام 1970 وما بعده، قد رأى انبثاقًا لتخصص فرعي مكرس في تخصص العلاقات الدولية، يطلق عليه ما يسمى بالتعاون البيئي الدولي، ويركز مبدئيًّا على إدارة مصادر الملكيات المشتركة، كأنظمة الأنهار الرئيسة، والمحيطات، والغلاف الجوي.

إن التراجع البيئي الذي تسبب فيه النشاط البشري له تاريخ طويل ومعقد وعلى الرغم من ذلك، ولغاية حقبة التوسع العولمي الأوروبي والثروة الصناعية، بقي التراجع البيئي عمومًا غير متساوٍ ومحصورًا نسبيًّا. إن المشكلات البيئية في الغالب غير مقصودة، ومنتشرة، وعابرة للحدود، وتجري على جدول زمني طويل، وتقحم طائفة متنوعة من الجهات الفاعلة، وتتطلب مفوضات شاقة، وتعاونًا جيدًا في ما بين طائفة متنوعة من الجهات المعنية. ولا شك أن المشكلات البيئية توصف أحيانًا من محللي السياسات بأنها مشكلات خبيثة، وذلك بسبب تعقيدها، وتنوعها، وعدم قابليتها للانحسار، واستعصاء حلولها.

فقد خضعت نظرية العلاقات الدولية الخضراء إلى تطور كبير خلال العقد الأخير، إلى حد الاعتراف بها بوصفها مجالًا جديدًا مهمًا في نظريات العلاقات الدولية، أما الخطابات الخضراء الجديدة في العدالة البيئية، والتنمية المستدامة، والتحديث الانعاكسي التبادلي، والأمن البيئي، فهي لم تؤثر في الحوارات السياسية القومية والدولية وحسب، وإنما باجتماعها معًا، قد أعادت أيضًا صوغ أدوار كل من الدولة، والجهات الاقتصادية الفاعلة، والمواطنين بصفتهم مراقبين بيئيين بدلًا من اعتبارهم أسيادًا إقليميين، ذوي التزامات دولية غير متماثلة مبنية على قدرات متباينة، ومستويات مختلفة من المسؤولية البيئية.

هنالك محاور عديدة قدمتها النظرية الخضراء للدفاع عن البيئة:

1- الدفاع عن البيئة وحمايتها من التلوث والأمطار الحمضية والإشعاعات النووية والمخلفات بأنواعها، خاصة المشعة والنووية (دفن النفايات في العالم الثالث مثلًا)، وأكدت أن دراسة البيئة والحفاظ عليها هو مناط بحفظ الحياة الإنسانية في الحاضر والمستقبل.

2- النظرة الكلية للكون، أي أن العالم الطبيعي هو وحدة واحدة،وألا يتم التعامل مع أجزائه ومفرداته كل على حدة، بل ويلقي اللوم على المدارس العلمية والطب لِتعامله مع المشكلات منفردة، إذ شهدت جراحات نقل الأعضاء والقلب والمخ والأعصاب طفرة في مقابل الإهمال الذي يواجهه ضبط نظام الجسم، ووقف الملوثات وخاصة التدخين، واتباع نظام غذائي صحي من جانب صناعة الطب.

3- استدامة التنمية ورعايتها للبيئة، وتحذيرها من الاستهلاك المتزايد غير المحسوب للموارد الطبيعية والمادية، وحثت على التعامل الرشيد والاستهلاك المتوازن، وإعادة استخدام المواد (التدوير)، وأن تكون المشروعات الصناعية وبرامج التنمية مبنية على هذا الأساس.

4- الدفاع عن القيم، إذ ركزت على القيم التي يعتنقها الأفراد في تعاملهم مع البيئة، وحرصها على الأجيال القادمة، والمسؤولية الاجتماعية، وحقوق الحيوان، والسلام دفعًا لخطر الدمار النووي الشامل.

ولهذا يمكننا القول إن النظرية الخضراء تعتبر نظرية نقدية، وليست نظرية حل المشكلات، إنها نظرية تهدف لأن تكون تفسيرية ومعيارية، فهي تحاول تفسير نطاق من الظواهر والمشكلات في السياسة العالمية، في ما يتعلق بعلم العلاقات الدولية على وجه الخصوص.

البيئة جانب من الجوانب مؤثر في العلاقات الدولية التي لها أهمية كبيرة بين اللاعبين في النظام الدولي؛ إذ تجبرهم على الجلوس على طاولة المفاوضات للتفاوض من أجل حل المشاكل التي تخلفها، والاتفاق على الحد منها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

نظريات العلاقات الدولية "التخصص والتنوع" تيم دان ، ميليا كوركي ، وستيف سميث
العلاقات الدولية "النظرية والواقع - الأشخاص والقضايا الدكتور خليل حسين
عرض التعليقات
تحميل المزيد