المناظرات الرئاسية تأخذ ممرًا نحو ترسيخ الديمقراطية

صورة اليوم على القناة التونسية الوطنية (العمومية) جد رائعة، وتظهر أن تضحيات الشعب التونسي – مشعل الربيع العربي – لم تذهب سدى، فاليوم أهل قرطاج يتنفسون الحرية ويعيشون في قلب الديمقراطية، رغمًا عن أنف المتربصين الإقليمين، وأصحاب الوصاية الغربية على أراضي المستعمرات السابقة.

ما تتفرد به تونس هو حياد عسكرها على عكس باقي الأقطار العربية، فمن أسقط الملكية ذات يوم في 1957 لم يكن سوى رجل فرنسا، الحبيب بورقيبة، رئيس الحكومة وقتها الذي خلع الملك محمد الأمين باي، فجيش قرطاج لايعرف مصطلح «الضباط الأشرار» (الذين أطلقوا على أنفسهم الضباط الأحرار)، والأهم وجود نخبة مثقفة وطنية محترمة، تحمل أفكار النبل والتحرر والعزة والصدق، التي رسمها رجال كصالح بن يوسف، وعبد العزيز الثعالبي، والشيخ الطاهر بن عاشور، وفرحات حشاد.

أفضل عنوان لهذه المناظرة، هو أن تونس عازمة على إكمال وإنجاح ثورتها رغم العراقيل المصطنعة والتحديات القائمة، ما سيشكل أملًا في الغد للبقية، والإشارات تطل علينا من سودان النيلين، إلى جزائر الشهداء.

ما شد الانتباه اليوم في أولى مناظرات رئاسيات تونس – تجرى في 15 من سبتمبر (أيلول) الجاري والمتقدم لها 26 مرشحًا، تليها الانتخابات التشريعية (البرلمانية) في 6 من أكتوبر (تشرين الأول) المقبل – هو وجود مرشحين محسوبين على النظام المخلوع، زين العابدين بن علي، وخلال حلقة اليوم برزت عبير موسي، المعتزة ما مرة بكونها أحد أتباع سيدها بن علي، وهي العضو السابقة في حزبه التجمع الديمقراطي الدستوري – الامتداد الطبيعي لحزب بورقيبة، الحزب الحر الدستوري الجديد – والرافضة كذلك لثورة 14 يناير (كانون الثاني)، التي منحتها الآن فرصة الترشح لمنصب رئيس الجمهورية عبر حزبها الدستوري الحر! وهو حلم كان بعيد المنال قبل 2011، وما يؤكد توجه السيدة وحنينها للحكم المطلق، هو عداؤها الغير مبرر للإسلام، وصراعها وحقدها على أهل الثورة، لكن التونسيين يدركون المشهد، ويعرفون من خلف المرأة وأمثالها.

وفي المقابل طغى على الليلة تسيد مرشحان للصورة من بين الثمانية الحاضرين، وهو ما كان متوقعًا، بل إن ترتيبهما في الأستوديو كان متتابعًا من على يمين شاشة المشاهد، فالأول هو الدكتور محمد المنصف المرزوقي، الطبيب الجراح للأعصاب والدماغ، الذي وضع كالعادة بكل حكمة مشرطه على مكامن الخلل، مُشرحًا الوضع التونسي بامتياز، طارحًا السبل الممكنة والمتاحة لتجاوز المطبات وإيصال وطنه لبر الأمان في ظل كثرة المترقبين لأية هفوة أو سقطة، مهتمًا أكثر بالمتطلبات الأساسية لمجتمع قرطاج، والمتمثلة بشكل عام في العيش الكريم، والتعليم الصحيح، والصحة الجيدة، والاقتصاد المثمر، متجاوزًا في الوقت ذاته النقاط الخلافية المفشلة عمدًا لمسارات النجاح المنشود.

والثاني هو الحقوقي محمد عبو، الذي رافع بتميز وتقة عالية في النفس عن أطروحاته خلال المناظرة، مبرزًا أسباب فشل مخططات الدولة سابقًا، مستعرضًا دفوعاته – وهو المحامي النشيط زمن معارضته للمعزول زين العابدين – الكفيلة بتحقيق الإصلاح الجذري والازدهار النوعي في كافة المجالات التي تهم المواطن التونسي.

ويبقى من الأفضل توحد قوى مرشحي الثورة على ممثل واحد لهم في السباق الرئاسي، يكون عليه إجماع، من أجل تحقيق الغاية التي يسعون لها جميعًا، وفي الواجهة يحضر اسم المرزوقي، الذي دخل القصر الجمهوري رئيسًا للبلاد لثلاث سنوات، من 2011 إلى 2014، وإن لم يتم الوصول إلا هذا التوافق في الجولة الأولى، حال عدم بلوغ أي مرشح للأغلبية المطلقة، ففي ثاني المراحل الأمر سيفرض نفسه اضطرادًا.

ستكشف المناظراتان القادمتان عن وجوه أخرى، أغلبها مرشح «كومبارس» لجهات تحسب على النظام الزائل، أو ممثلة للوبيات داخلية، أو أشخاص صورية في خدمة أجندات أجنبية منها ما هو غربي وآخر إقليمي، ومن جهة أخرى هناك بعض مرشحي المشروع الثوري، العازمون فيه على القطيعة مع ماضي الاستبداد والتبعية ورهن البلاد والعباد بنزوات الحاكم، والرابح الأكبر هنا هي تونس الخضراء، مشعلة الثورات العربية، والمصدرة للديمقراطية الحقيقية لباقي جيرانها، والمنيرة لطريق الأمة في هذه المرحلة الثانية، من أجل القضاء على كافة الأورام الآدمية، المهددة لتطلعات شعوب المنطقة نحو مراسي الديمقراطية والتحرر والعدالة والكرامة الإنسانية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد