وأنت في بيتك وحيك تظن نفسك في مأمن، وحالما تخط خطوة بعد الباب حتى يبدأ قلبك بالخفقان بسرعة وتتبادر إلى ذهنك كل تلك القصص والصور الذهنية عن أناس خُطت على أوجههم ندوب أشبه بالخط الساحلي الأطلسي في خريطة الوطن. حالما تتراقص أرجلك في شارع من شوارع المدن في المملكة يتمايل رأسك يمنة ويسرة بحثًا عن مترصد، رغم نباهتك، كملكي الموت على جنباتك هنالك من يتربص، يقف عليك أحدهما والسيف البتار على عنقك، ينتشل منك النفيس والرخيص، وإذا كنت محظوظًا، امتنع عن ترك خاتمه المميز على أحد خديك الأملسين. من منا لم يعش ذلك الموقف أو سمع عنه على الأقل لصديق أو قريب كادت ركبتاه تخران خوفًا، والعالم الآخر بين ناظريه، على أمل أن تجود جيوبه على صاحب السيف بشيء قيم، فيتركه يذهب لحاله؟ لقد أصبح الخوف هاجسًا لكل من ذهب ماشيًا، أو حتى راكبًا، خاصة في المدن الكبرى، ولا يمر يوم دون أن نسمع عن حادث «جريساج» وقعت ووقع ضحيتها شاب أو شابة، امرأة أو رجل.

الانتشال والسرقة الموصوفة بالتهديد بالسلاح أو بدون تهديد، والاعتداء على الضحية بسلاح أو بدون، كلها تسميات تدخل في إطار ما أصبح يطلق عليه المغاربة «الكريساج» وهو مصلطح تم تحويره للكلمة الفرنسية «agréssion» التي تعني اعتداء. لقد أصبح الخوف من التعرض لهذه النوع من الجريمة هاجسًا أمنيًا مؤرقًا يقض مضجع كل المغاربة القاطنين خاصة في المدن الكبرى، المكتظة بالسكان وخاصة في الأحياء الشعبية لمدن كسلا وفاس والدار البيضاء، حتى أصبحت نفوس الناس يملؤها الخوف والمهابة من تصيب فلذات أكبادها مصيبة بفعلة فاعل، في أغلب الحالات شابين على دراجة تسهل الفرار، وتترك الضحية مضرجة في الدماء.

ذاع صيت الظاهرة في البلاد، وتناقلتها الألسن حتى أصبحت البلدان تحذر مواطنيها من الخطر، وتحذر الولايات المتحدة عبر الإرشادات التي تصدرها لرعاياها المسافرين خارجين البلاد، عبر الموقع الرسمي لوزارة خارجيتها، مكتب الأمن الدبلوماسي في تقريرها السنوي لـ2018، عن كون الجريمة في المغرب تشكل مشكلة كبيرة خاصة في المدن الكبرى والسياحية، وصنفت الدار البيضاء على أنها تشكل تهديدًا كبيرًا من حيث الجريمة، خاصة النشل بالتهديد بالسلاح والسرقة الموصوفة. وبالمثل تحذر بريطانيا وتدعو رعاياها إلى اتخاذ الحيطة والحذر، وتجرد مجموعة من السبل الوقائية كعدم التسكع ليلا، وعدم لبس المجوهرات، تفاديا للسرقة بالدراجات النارية أو تحت تهديد السلاح الأبيض، وذلك في موقعها الرسمي: gov.uk ، قسم إرشادات السفر خارج البلاد. ولكم أن تتصوروا خطورة الأمر على قطاع السياحة ما دامت التقارير الدولية ودول كبرى يراهن المغرب على أسواقها، تصدر مثل هذه التحذيرات وتصنف المغرب في مستويات عالية من حيث الجريمة.

بهدف التعرف على آثار هذه الظاهرة في نفسية المغاربة، أنشأنا استمارة مبسطة سألنا فيها المستجوبين عن هاجس الخوف من التعرض للـ«جريساج»، أجاب عليها 135 شخصًا، ممن يقطنون بالمدن الكبرى، وأسفرت عن هذه النتائج:

ـ 86% أجابوا أن إحساس الخوف من التعرض حاضر لديهم دائمًا، خاصة في حالة التنقل مشيًا على الأقدام.

ـ 45% منهم سبق لهم أن تعرضوا له، ثلثهم ترك فيهم آثارًا نفسية، وجعلهم يعيشون رهب التعرض له مرة أخرى.

رغم أن استمارتنا تبقى بحثًا بسيطًا، وجب تدعيمه بدراسة علمية حقة تشمل عددًا أكبر وتدرس الظاهرة من جميع الجوانب إلا أنها تحيلنا في ما يخص موضوعنا «الخوف من الجريساج» ، إلى هول الأرقام ومدى تفشي هذا الخوف حتى أصبح له تأثير مباشر في تنقلات الأشخاص، وتأثيرات غير مباشرة اقتصادية واجتماعية.

الحق في الأمن، حق إنساني تكفله القوانين الدولية ويكفله الدستور فكيف لمن لا يأمن في ممشاه ولا في معيشته اليومية أن يصبح مواطنًا منتجًا؟ كيف لمن لا يأمن على نفسه إن خرج هل يعود الى بيته وأولاده سالما معافى؟ أو أن شابين يستبيحان الجهاد في العباد قد يصطادانه في آخر الزقاق؟ لقد أصبح لزامًا الضرب من حديد لكل من تسول له نفسه ذلك، وإلا فإن التهاون وضعف الترسانة القانونية، ستكون له آثار وخيمة أشبه بالإرهاب أو ربما أكثر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد