استكمالًا لتحليل مسار حراك رافضي الانقلاب، وصلنا إلى أن حشد رافضي الانقلاب كان مُكبّلًا لهم ولم يتم استغلاله الاستغلال الأمثل، إضافة لأن خوف قيادته من الخسائر دفعهم للقبول بحراك مؤقت وموسمي.

فقدت قيادة الحراك حسن إدارة الحشود، الأمر الذي تسبب في تنازلهم عن قوة الحشود الضاربة والقبول بموطئ قدم في الشارع، كانت البداية في الاعتصامات والمسيرات الحاشدة ثم تلاها حراك الطلاب القوي، ومن بعده اكتفت الجماعة باستمرارية الحراك، وانحصرت الدعوة للمحطات الثورية في البيانات الإعلامية.

اشترك في هذه المراحل أن الحشد كان حاضرًا بينما التأثير ظل غائبًا، وبعد الفض سد العسكر طريق العودة بالدماء والأشلاء، ولم تملك الجماعة سوى المضي قدمًا نحو هدف لا تملك أدوات تحقيقه، لذا استمر الحراك دون وجهة.

حراك أم مصيدة؟

لماذا لم تلجأ الجماعة لاستخدام قوة الحشد الضاربة ـحين توفرهاـ لحسم الصراع؟

هل كان هذا التصرف امتدادًا طبيعيًّا لسياسة الأيادي المرتعشة التي اتبعتها الجماعة بُعيد الثورة، وركزت على تجنب الصدامات ومحاولة إرضاء الجميع؟ أم كان ذلك عائدًا لفقد القيادة حُسن الإدارة الكافي لاستغلال هذه الحشود؟ أم كان هذا بسبب ضآلة الهدف من الحراك الذي ربما تم جعله حراكًا سياسيًّا يسعى للضغط مقابل الحصول على مطالب، ولم يكن حراكًا ثوريًّا يسعى للصدام مع العسكر وإسقاطهم؟ أم كان هدف استعراض الحراك إحداث ضجة لاستجلاب حل للأزمة بوساطة دولية؟

أيًّا كانت الإجابة فهي لم تغير من واقع الحراك الذي جعلت منه الجماعة حراكًا تظاهريًّا، واكتفت باستعراض حشوده في الشوارع والإعلام، وتركته فريسةً سهلة للأمن الذي عمل على حصره وتقييده عن طريق دراسته لطبيعة الحراك، وفهمه لعقلية القيادة المترددة، فمن المعلوم أن الوسيلة تفقد فعاليتها بالتقادم وتصبح مكشوفة إن طال وقت استعمالها، والهدف إن غاب صارت الوسيلة في ذاتها هدفًا، فلا العقل ولا المنطق يقبلان القول بأن ثبات الحشود الغفيرة في الشوارع مستعملين سلاح الحناجر فقط سيغيِّر من المشهد في شيء.

ما أريد قوله إن قيادة الجماعة ـالتي تتمسك بالسلمية وتدّعي فعاليتهاـ لم تأخذ بأسبابها كاملة حين سنحت لها الفرصة حتى ترفض جميع الدعوات المنادية بالتحول عن هذا المسار لغيره، وبذلك تكون سلبية الجماعة وبطء حركتها هو العامل الأول في القضاء على الحراك، وإفلات لحظته الفارقة، بعد أن عُلقت الآمال على حشوده.

ربما حاولت الجماعة معالجة هذه المشكلة مرارًا ومنعها جمودها الإداري، فكثيرًا ما سمعنا أحاديث تدور حول تغيير المسار من السلمية للسلمية المبدعة تارة، والموجعة تارة أخرى، وفترة كان المسار سلميًّا وأخرى كان ثوريًّا، كل هذا لم يغير واقع الحراك في شيء، فلم تكن المشكلة في تغيير الشعار بل في معناه، كما لم تكن المشكلة في المسار، بل في جدواه.

استمرت الجماعة بنفس المنطق ونفس الهدف «الاستمرار حالما تأتي الانفراجة» بينما استمر نزيف أفرادها وتساقطهم تِباعًا في الأخدود، الأمر الذي عارضه بقوة طلاب الجامعات بعد تجربة مريرة خبروا منها الكثير، لكن الأصوات المتعالية بضرورة التغيير كيلت لها الاتهامات من قيادة ضغطت أركان البيعة واختزلتها في ركني «الثقة والطاعة»، فكان من الطبيعي أن يُتهم من يعترض بتثبيط الهمم أو تعطيل الأعمال، رغم أن ما يقوله رأيًا يؤمن به.

لم تقو الجماعة على إجبار الطلاب عنوة على استكمال حراك الجامعات، فعمدت لتفعيل الشريحة التالية، كذلك لم يكن صوت الطلاب مسموعًا داخل تنظيم يعج بخطابات الصمود وبث الأمل المتواترة على أسماع أفراده، ويُتعمّد فيه إقصاء وتحجيم المُعارضين.

بدأت المرحلة التالية في القرى ومراكز المحافظات، وبدأ معها فصل جديد من النفخ في حماس الشباب المفتونين بممارسات الحراك الجذابة، والذين تم استغلالهم للحفاظ على عجلة الحراك دائرة دون توعية لهم من القيادة بطبيعة المرحلة الأمنية، والتي تتطلب وعيًا أمنيًّا وحركيًّا لم يكن الشباب ليدركوه من أول تجربة لهم في مسار الصراع، نظرًا لفقرهم من حيث الوعي والتجارب، الأمر الذي كان متوافرًا لقيادة لطالما اعتادت العمل تحت ظروف مشابهة في تاريخ عملهم الحركي.

لا أرى مبررًا لهذا التسيّب في المحافظة على الأفراد إلا ما نوّهت عنه في المقال الأول، وهو أن الجماعة اطمأنت لوجود مخزون وفير من الأفراد يكفي لاستكمال الحراك حتى تحدث الانفراجة، لذا لم يكن الاهتمام موجّه للحفاظ عليهم بقدر ما كان موجّه لاستكمال الحراك، وإن تساقط الأفراد ما بين معتقل وشهيد وطريد لأجل استكماله، فلا ضير من ذلك طالما أن هناك من يستمر، أما من وقع للأمن فريسة فهو يدخل من باب التضحيات الحتمية، وفي النهاية لا يتوقف طريق الدعوة على أفراد!

مرة أخرى يفطن الأمن لهذا الاحتماء بالكثرة وتفعيل الجماعة لشرائح جديدة فيتبع سياسة تجفيف المنابع معهم، ويشن حملةً شعواء لتجريد الجماعة من محركها الرئيسي، ولما لا يفعل وقد وضعتهم الجماعة في مواجهة صفرية مع خصم يملك من الخبرات والأدوات ما يملك!

هل كانت القيادة تأمل أن يحقق حراك القرى والمراكز ما لم يحققه حراك المليونيات والجامعات؟

ربما كان من البديهي أن يُطرح هذا السؤال بقوة قبل الإقدام على هذه المرحلة، وإذ لا توجد له إجابة إلا بالنفي فهذا يُوضح عن جلاء أن الهدف كان استمرار الحراك وليس استعماله، وأن المراهنة على الوقت كانت في صالح العسكر الذين استطاعوا تحويل قضية الجماعة لقضية معتقلين ومطاردين، لتزايدهم المُطرد بمرور الوقت حتى مثل ذلك عبئًا على كاهل الجماعة.

اختراق أم تسيُّب؟

خرج عمي الحاج محمود حاملًا دلو اللبن للسوق كعادته كل صباح، كان الدلو مثقوبًا ويُسرِّب، لكن عمي محمود لم يكن يهتم إلا بالمحافظة على دلوه مملوءًا حتى يجذب الزبائن، لذا كلما نقص منسوب اللبن في الدلو سعي لسكب المزيد فيه حتى يعود المنسوب مرتفعًا، ولم يفكر في البحث عن موضع التسريب وسدّه، فقد يتطلب ذلك جهدًا ووقتًا أكثر من إعادة الملأ، لكن اللبن استمر في التسرب وانتهي مخزون عمي محمود من اللبن، فلم يعد يجد ما يملأ به إناءه.

خطأ فادح آخر لم تنتبه له الجماعة، التنظيم الهرمي للجماعة كان مكشوفًا جدًّا للأمن الذي اجتهد في سنوات ما بعد الثورة ـأثناء انفتاح الإخوان الشديد على المجتمعـ في حصر أكبر قدر من المعلومات عن تنظيم الإخوان وغيرهم، ومن ثم كان دقيقًا في توجيه الضربات بعد الانقلاب، وكان قادرًا على توقع تحركاتها.

شاهدنا كيف اعتقل الأمن مكاتب إدارية ومجموعات عمل بأكملها بعد أيام قليلة من تعيينها، بل بعد إعلان الجماعة نفسها عن استكمال بنائها الإداري وإجراء انتخابات، وكأنه كان يُعلن التحدي على قادة الجماعة، ورغم هذا السلوك الذي يُوضّح انكشاف التنظيم للأمن، إلا أن تصرف الجماعة يُوضّح ثِقل حركتها وانعدام قدرتها على التغيير، من البديهي أن تفكر الجماعة في إعادة هيكلة التنظيم حفاظًا على أفرادها ومراوغة للأمن، لكنها لم تفعل وفعلت ما فعله عم الحاج محمود، فكان شغلها الشاغل استكمال فراغات هيكلها الإداري كلما انتقص أفراده ـتحت ضغط الاعتقال أو المطاردةـ بُغية الاستمرار.

جعل هذا التصرف أفراد الجماعة محدودي الصلاحية من حيث العمل الحركي، يتقلد الفرد المسؤولية ثم لا يلبث أن يكتشف الأمن طبيعة عمله، وتبدأ بذلك رحلة مطاردته وتنحيته حسب طبيعة هذا العمل ومدى ارتباطه بالحراك.

بالطبع سنقول هذا بغض النظر عن احتمالية وجود اختراق أمني من عدمه -الأمر القائم بالتأكيد- والذي لم تسلم منه جماعات الجهاد التي اعتادت العمل والتحرك تحت ضغط أمني عالمي، فما بالك بجماعة اعتادت العمل تحت الأنظار وفي واقع اجتماعي تعايشي؟

الاستمرار إلى أين؟

بات واضحًا أن قيادة الجماعة مصممة على استمرار الحراك -بنفس المنطق- حتى وإن فنيت الجماعة عن بكرة أبيها، متجاهلة الضربات الأمنية، والاضطرابات الداخلية، والانعزال الاجتماعي الذي فرض عليها.

حتمًا ستحدث انفراجة كسوابقها، ليس لأن الجماعة اجتهدت واستجاب الله لعملها -وهو قادر على ذلك- بل لأن هذه هي سُنة الله في كونه، تعاقب الضيق والفرج، لكن السؤال المهم هو: هل الانفراجة التي ستحدث -مهما تكن- هي ما كانت الجماعة تأملها؟ هل كانت الانفراجات التي تلت أزمات الجماعة السابقة هي النصر المنشود الذي تحمّلت في سبيله الصعاب؟

بالطبع لا، لأنها لم تصنع هذه الانفراجات بل صنعها الخصم، وإن المعركة التي ينتظر خائضها أن يحدث بها تغييرًا ليس بيده لا يمكن أن يأمن نتائجها، أو يضمن أن تحقق هذه الانفراجة أهدافه.

يتبع

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد