منذ انطلاقة الانتفاضة الفلسطينية المباركة ونحر اليهود علي أيدى شباب أعزاء أكرمهم الله أن يكونوا حائط الدفاع الأول عن هذه البقعة المباركة من أرض فلسطين، وربما يكون الحائط الأول والأخير في زمان عز فيه الرجال ثبتهم الله ونصرهم ومكنهم من نحور عدوهم.

 

 
منذ بدأت هذه الانتفاضة رأيت عددا كبيرا من إخواني يكتبون عن الذاتية، وكيف أن شباب فلسطين لم يشكوا من مسئول لهم، ولم ينتظر من مكتب، ولم يسب أحدا، وإنما خرج بذاتية ليحقق نصرا عظيما. في بداية الأمر تعجبت من هؤلاء كثيرا و دخلت في نقاشات مع بعضهم ومنهم من حذفني من قائمة أصدقائه، ولكن الأمر يتطور كل يوم وينتشر والجميع يطالب بالذاتية.

وهنا يأتي سؤالي ،هل الذاتية متناقضة مع العمل الجماعي ؟ أم أن الذاتية والعمل الجماعي خطان متوازيان لتحقيق النصر؟
وإن كانت الذاتية هي طريق النصر، فلماذا إذن وجب العمل الجماعي؟ ولماذا درب رسولنا ( صلى الله عليه وسلم ) الصحابة على الجهاد وعلى التخطيط؟ ولماذا كانت توضع الخطط المحكمة في المعارك؟ ولماذا كان يولى رسولنا ( صلى الله عليه وسلم ) على كل غزوة قائدا؟ وفي بعضها سمى أكثر من اسم؟ ولماذا كان يقسم الجيش إلى ميمنة وميسرة وقلب، ولكل واحد منهم دور محدد يحدده له قائد الجيش؟

وهل الذاتية دائما تكون هي سبب الفوز؟ رسولنا ( صلى الله عليه وسلم ) كان يصف الصفوف ويرسم الخطة المحكمة ويولى القائد المناسب ويربي ويعلم الجنود ما هو دورهم بدقة وبعدها تأتى الذاتية. تأتى قبل المعركة كما حدث في غزوة بدر وغزوة الأحزاب أو تأتى في وسط المعركة كما حدث مع صاحب النقب أو تأتى بعد المعركة.

وربما تأتى الذاتية بالهزيمة كما حدث في غزوة أحد من الرماة حينما خالفوا أمر النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ؛ لأنهم ظنوا أن المعركة قد حسمت فنزلوا بذاتية ليجمعوا الغنائم فكانت الهزيمة لجيش المسلمين.

 

 
نعم الذاتية ربما تغير المعادلة وربما ذاتية رجل تغير أمة كاملة. ولكن العمل الجماعي يكون المحرك الرئيس، وإلا فلينتفض كل بذاتيته وليفعل كل منا ما يشاء، ووقتها لن يأتي النصر بجهود مشتتة، ولربما تنجح ذاتية أحدنا أن تربى جيلا يفهم المعنى الحقيقي والمعادلة الصحيحة للعمل الجماعي مع تربية الأفراد على الذاتية.

ولكن العبث أن تحدثني عن الذاتية أثناء المعركة، وأنا أرى الجنود مشتتة وكل يسير في اتجاه والعدو يقتل فينا ويثخن فينا الجراح، وحينما أنادى على القائد ليفيق من غفلته وليدرك ما تبقى من الجيش يتهمني الجميع بأنني أريد شق صفوف الجيش، وأن الذاتية أن تعمل ولا تنادى على القائد، وأن قتل ما تبقى من الجيش هذه ليست ذاتيه وإنما هو خنوع و استكانة.

أنا اريدك أن تدلني على الطريق الذى سنسلكه وتخبرني ما هي الخطة؟ وما هو دوري المطلوب في المعركة؟ وأنا بذاتيتي أتفوق فيه على نفسي أو على غيرى وهو تنافس مشروع، أما أن أبقى هكذا فلا.

 

 

 
وأرجو منكم ألا تتهموني بالخيانة إن طلبت الإجابة عن هذه الأسئلة ممن يقود وهو لا يملك رؤيه حقيقة لإدارة المعركة، وكلما سأله أحد ما هي رؤيتك ؟ تكون الإجابة الموحدة إن كانت لك رؤية فاطرحها، وكأنه يسألني عن رؤيتي أنا ويتهمني بالجهل لعدم الرد، وإن قلت لما سمع.

 
فإن كنت أنا من يملك الرؤية والقيادة، ومن ستنفذ رؤيته فلماذا يبقى هو القائد وأنا الجندي؟ وهل سينتصر جيش يسير بعكس الاتجاه، بل يخالف الفطرة، فالجندي هو المطالب بوضع الخطة والقائد لا يحاسب على عدم رؤيته لحقيقة المعركة، والسياسي هو المتحدث الإعلامي، ورجل الدين هو السياسي، والإعلامي يعمل في البر والكل يعمل في عكس مجاله، والجيش يسير بلا رؤية ولا خطة ولا قيادة والمعركة تشتد، والعدو يمكن له، والشهداء يسقطون واحد تلو الآخر والأسرى تتساقط، وفى وسط كل تلك الأحداث يعلموك أن الذاتية هي الصمت.

وأخيراً أقول لكل من ينادى بالذاتية أين ذاتيتكم أنتم: أن تنظروا أين نحن ذاهبون؟ وعن أهلية من يقود الجيش؟ وما هي الخطة التي سنحارب بها؟ وما هو دوري الحقيقي؟ وإن كنا سنكمل الحرب أم سننسحب من المعركة بأقل قدر من الخسائر؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار
عرض التعليقات
تحميل المزيد