الحديث عن التحرش الجنسي لم يعد غريبًا في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، ولم يعد مجرد أحاديث تروى بين النساء في مجالسهن الخاصة وتمضي، بل أصبح ظاهرة تشكل مشكلة كبيرة لا ينفع معها الشكوى أو اللوذ بالصمت. لابد من معرفة الأسباب المؤدية إلى ذلك الداء المتفشي في دولنا، ومعرفة الدواء المناسب له.

قيل إن المتحرش هو شخص تم الاعتداء عليه في سن معينة لذلك صار متحرشًا، هذا الكلام صحيح غالبًا ولكن ليس هو السبب الوحيد، لأنه يوجد العديد من المتحرشين لم يتم التحرش بهم! ومع ذلك يفعلون؟! فماذا عساه أن يكون السبب يا ترى؟! أيضًا، عندما نعلق سبب التحرش على أن المتحرش كان ضحية لمتحرش مثله يومًا ما، بهذا نكون قد التمسنا له العذر، مثلما تفعل بعض الدول مع القاتل الذي يقتل الأبرياء بدم بارد ولا يقال عنه إنه إرهابي ولكنه يعاني من أمراض نفسية!

نحن نعاني من كارثة حقيقية لا يمكن إغفالها أو مداراتها بدفن رؤوسنا في التراب، أو نقول نحن بخير أو في أمان!

للأمان عدة أنواع:

– ومنها شعور المرأة عندما تخرج من المنزل بأنها في مأمن عن المضايقات سواء كان في النظرات أو اللفظ أو اللمس.

– الأمان هو شعور المرأة في وطنها بالسلام النفسي وبأنها تمارس حقها الطبيعي في قضاء حوائجها، مثلها مثل الرجل.

– الأمان هو شعور الأهل بأن ابنتهم ستعود إليهم سالمة – بإذن الله – على الأقل من اعتداء عديمي الرجولة والشرف عليها، دون أن يضطر أحد المحارم إلى مصاحبتها إلى المحل الذي يقابل المنزل.

عندما نقول إن ذلك المجتمع محروم ولأنه مغلق، لذا يكثر فيه التحرش! إذًا ماذا نقول على من يرى المرأة بكافة أشكالها. يرى المنتقبة، المحجبة، السافرة، شبه المحجبة، ومع ذلك تنتشر فيه تلك الجريمة بنسبة تفوق ذلك المجتمع الذي تم نعته بالمحروم! والمرأة لسيت سببًا للفتنة، لكي نعلق عليها ووحدها السبب لذلك الفعل المشين دون غيرها، فلنكف عن لومها بأنها لم تتحجب أو تتجلبب، كأننا نقول نعم، هي تستحق ما جرى لها! لماذا لم تلتزم بالزي الشرعي؟!

ثمة نساء يلتحفن السواد من أعلى الرأس حتى أخمص القدمين، ولون البشرة لا يبين ولا العيون تظهر ويتم التحرش بهن! ثمة أطفال يتم الاعتداء عليهم، ثمة جدات يتم التحرش بهن. أين عقل الرجل الكامل! الذي لا يميز بين العفيفة من غيرها التي يعرف أين يجدها إن أراد، أين عقل الرجل الكامل الذي لا يمانع وهو على أهبة الاستعداد لاستعراض رجولته المهزوزة والضعيفة في أي مكان وفي أي وقت!

أنت في طريقك إلى العمل، فلماذا تتحرش بامراة لم تلق لك بالًا! أنت في المستشفى لاصطحاب قريبتك، فلماذا تتحرش بتلك المارة! أنت في الجامعة فلماذا تستضعف الطالبات! السؤال هنا: لماذا؟! لماذا كل هذا الانحلال؟ ولماذا طفت هذه الظاهرة على السطح؟! نحن لا نريد أن نكتفي بالتنظير ووضع هذا الملف جانبًا دون البحث في حلول عملية للحد من ذلك الداء ومن ثم القضاء عليه.

يجب علينا جميعنا إعادة النظر في كل ما حولنا، ابتداءً بتربية الأطفال والتمسك بالقيم والسلوك المستمد من إسلامنا الصحيح، بعيدًا عن التربية الذكورية التي يمارسها الأهالي والمجتمع، فعندما تتم تنشئة الطفل على أن المرأة ضعيفة وهي مخلوق ليس لديه القدرة على الدفاع عن نفسه، وقد خلقت لمتعة الرجل وخدمته ولتنظيف المنزل والسعي لإرضاء الرجل. هنا لا شعوريًا يقبع في وجدان الطفل أن المرأة مهما علت هو أفضل منها، وهي فقط من يجلب العار، ومهما فعلت لها فالصمت ديدنها!

عندما يكبر نجده يأخذ دور «السيد» ويأمر أخته وإن كانت أكبر منه بأن تفعل كذا وكذا. وبعدها يخرج إلى الشارع ويجرب مراهقته بالتحرش بأي امرأة وإن كانت أكبر منه سنًا! وهذا شيء يثير الحنق فعلًا. ومن ثم تتشكل لدينا شخصية ذكر مشوهة، مهزوزة، ناقصة، ولا يشعر برجولته إلا عندما يستضعف المرأة ويجعل منها خادمة له.

وتلك التنشئة الخاطئة للأسف تشترك فيها المرأة أيضًا، وما أكثر النساء اللاتي يحملن الفكر الذكوري، فأنا من هنا أوجه رسالة لبنات جنسي بتصحيح المفاهيم المتعلقة بتربية الذكر والأنثى، والكف عن التمييز بينهم، وتربية الذكر تربية صحية إيجابية يسودها الاحترام للإنسان. لكي تخرج لنا أجيالًا راقية معافاة من كل داء.

كما أنصحكن بأن ترفقن بأنفسكن أيتها النساء! البعض يقول إن الزواج هو أحد الحلول للقضاء على تلك الظاهرة، أتفق إلى حد ما، وأنه يجب تيسير المهور… إلخ ولكن كم من متحرش اكتشفنا أنه متزوج! وكم من شيخ يرقي المرضى رقية شرعية يتحرش بمريضاته، ويتهمهن بأن جنيًا يتلبسهن! إن فتحن أفواههن بكلمة.

يجب أن تكون ثمة عقوبة قاسية ورادعة للمتحرش، تجعله يتوب عن فعلته ويُحرم العودة إليها، وتجعل منه عبرة لغيره من عديمي الإنسانية وأشباه الرجال. عندي من القصص الشخصية والواقعية لأخريات تعرضن للتحرش، لو قصصتها عليكم لشاب منها شعر الرأس!

المشكلة تكمن في المنظومة الأخلاقية، الرسول صلى الله عليه وسلم يقول «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، الدين ليس مجرد صلاة وصيام. صلاتك وصيامك بينك وبين الله – عز وجل – ما يهمنا هو تعاملك مع الخلق، ترجم صلاحك وخشيتك لخالقك بحسن أخلاقك، وعدم جرحك للآخر، والرحمة، وعدم التكبر، وازدراء البعض. ليس لك قيمة عندما تظن أنك محور الكون حتى وإن كنت لا تفارق المسجد.

يجب علينا أن نتشبث بالأخلاق الحميدة، كن خلوقًا، فنحن في هذه الحياة عابرو سبيل، ولا تكن مثلما يقول المثل «رجل بلا أخلاق هو وحش تم إطلاقه على هذا العالم».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد