ثقافة التربية في مجتمعنا المصري لا تحث أبدًا على تطوير الذات، من الممكن أن تسأل كيف ذلك؟ ولكن دعنا من الفلسفات جميعها التي من الممكن أن أضعها كإجابات، وسأختصر كل شيء في إجابة بسيطة: أننا لا نركز على إنشاء شخصية من البداية، لا ننقش في عقلية الطفل الصغير كيف تكون شخصيته، أو نركز على جوانبها المضيئة فننمي هذا الجانب، الذي بدوره سينعكس نفسيًا بالإيجاب في تكوين شخصيته.

إن الأسرة تركز فقط على أشياء قد تدمر شخصية الطفل تمامًا، بشيئين أساسيين هما المقارنة بين الأفراد، وهذا الجانب سيء جدا، فهو يساعد كثيرًا في تدمير شخصية الطفل منذ البداية، ولا تنتبه الأسرة في هذه الحالة إلى أنها تفعل ذلك، بل تظن أنها تشجعه على المنافسة بينه وبين أقرانه فيغار منهم، ولكن للأسف الشديد أنها ترسي قواعد تدميره لذاته، وقد يصل الأمر إلى إنشاء الحقد والكراهية نحوهم، مهما كانت علاقتهم قبل تلك المقارنة من ود وصداقة وقرب.

أما الجانب الآخر فهو عدم مراعاة الفروق الفردية، فابنك ليس كابن غيرك، قد يكون من رؤية الأسرة لطفل ما في الخارج مع المقارنة، والتركيز على قدرات وتفوق الطفل الآخر في شيء ما، مع عدم انتباهك وعدم تحديد ميول طفلك، وتتمنى أن يكون طفلك بتلك القدرات، وتشجيعه على منافسته، وهو ما لا يستجيب له الطفل أو قد يستجيب ويفشل، فذلك يخلق الكثر من النتائج، معايرته وتثبيط همته في أن يكون ناجحًا مثل فلان، أو يبذل قصارى جهده ويفشل، فيشعر أنه لن ينجح في شيء أبدًا، وأنه كائن لا يرغب في قربه أحد، فيصاب بالكثير من الأمراض النفسية، أو ينجح في تلك المهمة، ولكنه لن يتفوق أبدًا على قرينه ويظل يشعر بالنقص طوال عمره، ويدمر شخصيته ككائن يستطيع أن يتفوق على أحد أبدًا مهما بذل، لأن قدراته محدودة في هذا المجال.

في النهاية أنت تبني شخصية غير مستقلة بالمرة، ستعيش طوال عمرها على المقرنات والحقد والغيرة وقد يصل بها الأمر ألا تحب نفسها وتمقتها، وتعيش حياتها على الهامش، كأنها حياة بلا معنى، شخصية أنت دمرت بداخلها موهبة ما كان من الممكن أن تلاحظه فيها وتنميها وتجعله قائدًا بدلًا من كونه فاشلًا.

وكلما كبر طفلك كلما تفادى أخطاءه باللوم على الآخر، حتى يتفادى نظرة الأسرة والمجتمع له كشخص فاشل لا ينجح فيما ينجح فيه أقرانه، حتى لا يلومه أحد يعزو أخطاءه إلى غيره، ولكنها في الأساس لوم من دمر شخصيته من البداية، هو شيء تلقائي يجعله يلقي باللوم، لإحساسه الدائم أنه ليس خطؤه من الأساس.

أنت كرب أسرة تستطيع أن تعلو بهمة طفلك وتجعله يفخر أنك قمت على حبه لذاته كما هو، وبكل قدراته التي يمتلكها عن غيره في مجال ما، ويحبها وليس شرطا أن تحبها أنت، وتفوقه في شيء يحبه، عندها ستربي شخصا قويًا بنفسه وبذاته كما هي.

ونرجع مرة ومرات أخرى لنقول فلنعد إلى السنة، ونرى كيف كان يتعامل الرسول العظيم «صلى الله عليه وسلم» مع الأطفال ليعلو بهمتهم ويقوي عزيمتهم، ويجعل الخير على يديهم، فيما بين الأمم، فكان بينهم كطفل صغير، وكعالم وحكيم كبير، ونذكر له موقفًا في مراعاته لمواهب الصغار:أنه «لما خرج المسلمون إلى أحد، رد النبي (صلى الله عليه وسلم) من استصغر منهم وكان فيمن رده رافع بن خديج، وسمرة بن جندب، ثم أجاز رافعا لما قيل له: إنه رام بحسن الرماية .
فبكى سمرة وقال لزوج أمه: أجاز رسول الله (صلى الله عليه وسلم) رافعا وردني مع أني أصرعه، فبلغ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الخبر فأمرهما بالمصارعة، فكان الغالب سمرة، فأجازه (صلى الله عليه وسل ) .نجد الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) في هذا الحديث قد اهتم بالجانب البدني والمهاري للموهوب وخلق جوا من المنافسة بين الموهوبين ولهذا أثره الكبير في زيادة الموهبة لديهم ونموها.

إنه محمد صلى الله عليه وسلم خير معلم، وسنته بيننا ولكننا في غياب عنها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد